Wednesday, April 29, 2009

1- اللقاء


- 1-
اللقاء

بدأت قصتي في ذلك اليوم الذي كنت انتظر في مطار سنغافورة موعد الصعود للطائرة المتوجهة إلى سيدني في استراليا، فالرحلة التي قدمت عليها من دبي إلى سنغافورة وصلت على الوقت المحدد لها ولدي أربع ساعات على إقلاع الطائرة، لم يكن لدي ما افعله بتلك الساعات غير التسكع في السوق الحرة للمطار، وبالطبع أدعوه تسكعاُ لأني لم أشتر شيئا، أنا لست من هواة الشراء من الأسواق الحرة، أو لنقل لست من محبي التسوق والشراء بشكل عام، فلو احتجت لشيء ما سأشتريه بوقتها، لا أمتلك رغبة لشراء الأشياء لمجرد أني في السوق، رحت انتقل بين الأقسام المختلفة في السوق، أراقب الناس وأراقب تحركاتها، لم يكن هناك مايثيرني بشكل عام،
تنقلت حتى وصلت إلى مكان للاستراحة تبين لي بعدها انه مخصص للمدخنين، لم أكن مدخناً لكن رغبة ما أثارت عندي الفضول للبقاء في ذلك المكان، جلست متأملا دخان السجائر المنتشر من حولي، كنت أفكر بالخروج حين دخلت تلك المضيفة حاملة هاتفها النقال بيد وتحاول أن تشعل سيجارتها باليد الأخرى، لا أدري في تلك اللحظة كيف راودني إحساس بأني سمعت صوتها سابقاً، كان يبدو مألوفاُ بالنسبة لي، أخذت أمعن النظر إليها لعلي اذكر أين رأيتها، لكن لم أتذكر أين رأيتها سابقاً، حملت نفاسي خارجا من ذلك المكان وأنا احدث نفسي ربما ملامحها الشرق أوسطية كانت سبباً آلفة وجهها، أو ربما كانت تشبه أحدا أعرفه.

مضى الوقت متسارعاً على ارض المطار وانتهينا بعدها في طائرة أقلعت دون أي تأخير وقد بدا صوت محركاتها رغم ارتفاعه منسجماً مع ما توقعته في ذلك اليوم من رحلة طويلة مليئة الضجيج.
كانت في البداية رحلة رتيبة ، بسرعة أنهت المضيفات توضيح تعليمات الأمان على الطائرة وانطلقت كل واحدة منهن تتابع عملها المعتاد، شعرت بالسعادة لأن جاري كان يبدو رجلا هادئً ويبدو قليل الكلام، فلم أسمع منه سوى كلمة الترحيب التي قالها عندما جلس على مقعده ولم يعد للكلام بعدها،
لم يمر وقت طويل على ذلك الهدوء حتى بدأ يقطعه صوت المضيفة التي سرعان ما تذكرتها من استراحة المدخنين على ارض المطار، أطلت النظر من جديد بملامحها الشرق أوسطية وضحكتها التي تبرز أسنانها، ورحت أراقب المشهد المتكرر باقترابها من جاري الذي يجلس بجانب النافذة لتطمئن عليه، فيرد عليها في كل مرة بابتسامته الهادئة ويعود للقراءة في الكتاب الذي يحمله وهو كتاب من القياس الكبير الثقيل على يديه الهرمتين والذي كان يصّعب عليه أن يبقيه منتصباً أمام نظارته السميكة لفترة طويلة فيعمد بين الفينة والأخرى إلى وضعه في حجره وينزع نظارته ويشيح بنظره إلى المضيفة التي تسارع بدورها إليه لتسأله فيما إذا كان يحتاج لشيء ما، ، لم يمل العجوز من قراءته منذ بدء الرحلة ولم تمل المضيفة بدورها الاطمئنان عليه.
أكثر من ساعة كانت قد مرت على الرحلة وبدأت تلك التكرارية تصيبني بالملل، أردت أن اخرج من صمتي لأكسر حاجز تلك الحالة، فانتظرت حتى اقتربت المضيفة من جاري لتعاود سؤاله عن إخباره وسألتها باللغة العربية "عفواً، كم الساعة هي الآن؟؟"، نظرت إلي مندهشة في البداية ولكنها عاودت ابتسامتها وقبل أن تقول أية كلمة ، سارع جاري ونطق أولى كلماته معي قائلا لي "أنها لا تجيد اللغة العربية!!"، وأضاف قائلاً "على رغم أنها عربية الأصل!"، وتوجه إليها بالانكليزية ليترجم لها سؤالي ، ضحكت المضيفة مرة أخرى وأشارت إلى الساعة الرقمية المعلقة في مقدمة الطائرة وانطلقت مبتعدة،
نظر جاري إلي ببعض الاستغراب، وكأنه شعر بأنها بدأت تثير فضولي، وبدأ الحديث مجدداً: "إنها رنـــا ابنتي" كان صوته رقيقاً ولا يحمل أي حشرجة رغم كبر سنه، ونظر إليها بنظرة بدأت أفهمها الآن وبدأ كل شيء يتضح لي، وأعدت كلامه متسائلا "أبنتك!!!"
"نعم إنها ابنتي" قالها وأعاد نظارته إلى مكانها ممسكاً بكتابه ليكمل القراءة تاركاً أياي في دهشة وفضول لمعرفة المزيد من التفاصيل،
شعرت حينها بأنه يتلاعب بي، ولكني لم أرغب في أن أفوت الفرصة في استمرار الحديث، فعدت لسؤاله "لكنك تتكلم العربية؟" وانتظرت منه أن يرد على سؤالي ولكنه لم يفعل، شعرت بغضب شديد وعبرت عنه بأبعاد نظري عنه إلى الجهة الأخرى، سمعت تنهيدة صدرت عنه، كنت انتظر أن أسمعه يتكلم، لكن تنهيدة أخرى انطلقت من جديد ولكنه حاول أن ينهيها قبل أن تصل ابنته إلينا، كنت أتوقع منها أن تعيد سؤاله للمرة الألف عن أحواله، ولم أرغب برؤيته وهو يجيب عليها بتلك الابتسامة، لكنها في هذه المرة فاجأتني بالسؤال:"لم توقعت أني أجيد اللغة العربية؟" نظرت إلى جاري قبل أن أتمكن من الإجابة فرأيت نظراته لي من تحت نظارته وكأنه يعرف ما سأقوله لها، وعدت بنظري إليها متأملا ملامحها وأخبرتها بأني لم أكن أعلم فيما إذا كانت تجيدها أم لا ولكني كنت أحاول كسر الروتين فقط،
ضحكت المضيفة ولكن بصوت عالي هذه المرة، شعرت أن كل المسافرين من حولنا كانوا ينظرون إليها في تلك اللحظة، " كسر الروتين" أعادت تلك الكلمات وهي تضحك مبتعدة عن المكان، تاركة إياي في صمت يقطعه ضجيج المحركات فقط وكأني وحدي على متن تلك الطائرة...

"مالذي قادني إلى هذه الرحلة" هذه ماكنت احدث به نفسي غارقا في دهشتي وصمتي الذي كسره صوت جاري من جديد، "كانت تتكلم العربية في صغرها، كان ذلك قبل أن نهاجر إلى استراليا، كان عمرها أربعة سنوات حينذاك، لكنها لم تعد تجيدها بعد ذلك، لقد نسيتها تماماً وربما تناستها حتى فقدت القدرة على تذكرها،ربما تعرف بعض الكلمات، أو تفهم بعض العبارات ولكنها لا تستخدمها"
نظرت إليه بينما تابع حديثه: "هل تعرف، بأني لم أزل أراها رنا طفلتي الصغيرة ابنة الرابعة، لا أعرف كيف كبرت هكذا وأين، لربما أنا في حلم، ولكني أشك بأني سأصحو منه يوماً أو ربما لا رغبة لي بأن أصحو منه، وكأني أريد أن أعود بالزمن لتلك الأيام، وأريد أن أتراجع عن تلك الرحلة الطويلة التي قادتني إلى هذه اللحظة!!"،

كان صوته يتحدث بنبرة مختلفة هذه المرة وقد بدأ يفقد هدوئه الذي تعودته منه منذ بدء الرحلة، وأردت أن أجاريه بالحديث ليكمل ما بدأه، فسألته عن بلده الأصلي، نظر إلي وكأنه يحاول أن يتذكر شيء قد نسيه، أو أنه موجود في مكان عميق ويحتاج إلى من يساعده في إخراجه، "أنا أبن ضيعة صغيرة في سوريا" قالها وكأنه يخاف أن لا أعرف عن ضيعته شيئاً، وأكمل "هل تعرف قرية اسمها الدارة؟" عندما سمعت تلك الكلمة "الدارة" شعرت بالدم يخرج إلى رأسي وشعرت بخدودي تمتلئ بالدم ولابد انه لاحظ الاحمرار على وجنتي فظن بأني شعرت بالخجل لأني لم أسمع عن ضيعته فحاول أن يخفف من شعوري، فأكمل "أنها قرية نائية، من الطبيعي أنك لاتعرفها،"
كيف لا أعرفها يا سيدي!!، أعرفها!!، كنت أريد القول له بأني أبن تلك القرية النائية البعيدة في قلب الجبال، ولكني توقفت عن الكلام، وابتسمت له لعله يكمل كلامه، فأكمل قائلاً " أنها قرية من قرى السويداء في جبل العرب، لعلك تعرف تلك المدينة،؟"
لا أعرف لماذا لم اخبره لحظتها بأني ابن تلك المنطقة وابن تلك القرية تحديداً ولربما لم أرد أن أخبره لكي أعطيه مساحة من الحرية ليتكلم براحته، ولربما أردت أن اسمعه يتحدث عنها وكأني غريب ، رغم أن كلمة غريب عن تلك المنطقة قد تكون صحيحة بالنسبة لي، فأنا وان لم يكن جبل العرب غريباً بالنسبة لي، فأنا أبن تلك القرية لكني لم أكن أعرفها كثيراً وكل ما أتذكره عنها هو بعض الوقت الذي كنت قضيته هناك،
غريبة هي تلك الصدفة على متن طائرة تحملنا معاً إلى أستراليا، أي صدفة تلك أن نلتقي نحن الاثنين أو نحن الثلاثة لو أضفنا ابنته، لم أكن أريده أن يتوقف عن الكلام، فأجبته "بأني استطيع أن أتذكر تلك المدينة"، قلت له ذلك، وأضفت بأني كنت احسد سكان تلك القرى على الهدوء الذي يحيط بحياتهم،
"نعم،نعم!! آي هدوء صارخ يحيط بتلك الجبال"، أجابني فرحاً لأنه شعر بأني استطيع أن أتواصل معه حديث الذكريات هذا، فأكمل حديثه "لعلك سمعت بقرية الدارة إذاً؟"،
أجبته مسرعاً كي اشبع سعادته بحديثنا "نعم، اعرفها، لقد ذهبت إليها عدة مرات!!"
"اها، ذهبت إليها، إذاً أنت رأيت قريتي الصغيرة، لعلك تذكر هوائها الجبلي ومنظر حجارتها السوداء، هل تعرف إنها تعلو عن سطح البحر قرابة 1300 متر" كان يتحدث وقد بدأ يشع الفخر في عينيه، وقد بدأت حينها كل حواجز الصمت بيننا تتكسر،

اقتربت أبنته ثانية منا وقالت له بأنها تستطيع أن تفهم من نظرته بأنه يتحدث عن جبل العرب، نظرت لي وقالت أعرف هذه النظرة على وجهة، أنها نفس النظرة التي رأيتها صغيرة عندما غادرنا المطار مهاجرين لأول مرة، وأكملت كلامها بسؤالي "هل أنت سوري؟"
شعرت من جديد باحمرار وجنتي، لابد أنهما لاحظوا الخجل الذي يعلو وجهي كثيراً رغم محاولاتي الجاهدة في إخفائه، أجبتها بنعم، نعم أنا سوري، فضحكت من جديد وابتعدت متممة بعبارة "يالصدفة السعيدة!!" ضحك الأب أيضا وقال أن أبنته محقة بقولها " يالمحاسن الصدف!!" لكنه قالها باللغة العربية وبلهجة أهل الضيعة ثم تركني وحدي ولكن ليس إلى كتابه هذه المرة، رأيته ينظر من النافذة باتجاه بعيد،
تركته وعدت لأستمع لصوت محركات الطائرة التي تدل على أنها أخذة في مسيرتها مخترقة الأجواء، لم أكن استطيع الرؤية من نافذة الطائرة لبعدها عني، حتى الرجل العجوز كان عاجزا عن رؤية الكثير من النافذة لوجود الجناح مقابل نافذته، ولكنه أطال النظر من النافذة إلى الخارج، كأنه يرى شيء ما في البعيد، لربما وصل بنظره لتلك القرية هناك، كان غارقاً في تأملاته،
كنت أنا أيضا بحاجة كبيرة إلى الوحدة، أردت أن أكون بعيداً عن كل شيء حولي، وضعت سماعات الصوت على أذني وبدأت أقلب الأزرار باحثا عن شي ما أسمعه، توقفت عند محطة تبث موسيقى هادئة، شعرت برغبة في تناول شي ما،فنزعت السماعات عن أذني ورحت أبحث في حقيبتي الصغيرة عن ما أكله ولكن على مايبدو أن المضيفة لاحظت ذلك فأسرعت إلي وسألتني عما لو كنت أبحث عن شيء ما، فأجبتها بإيماءة من رأسي، وقلت لها شكراً لأني وجدت ما أكله في حقيبتي، لم أنتبه بأني أخاطبها بالعربية ثانية، حتى لاحظت على وجهها علامات الاستفهام، فاعتذرت منها معيدا كلامي بالانجليزية هذه المرة، كنت ألاحقها بنظراتي بينما تبتعد وأنا أستغرب ذهابها هذه المرة دون التحدث إلى جاري، فانتقلت بنظرتي إليه لأراه مستغرقا في النوم عندها أدركت سبب عدم تحدثها إليه..

كان الوقت يمر بطيئاً، وأنا عادة ما أخترع أشياء تبعث التسلية في نفسي في مثل تلك الأوقات، لكن في هذه الرحلة كانت المضيفة قد أخذت حيز كبير من تفكيري، كنت أتحزر كوني من نفس القرية فلا بد أني أعرف اسم عائلتها، في قريتنا كل الناس تتعرف على بعضها البعض بالسليقة، فعندما تلتقي بأي شخص عجوز لأول مرة فأنه سيبادرك الكلام: " ألست أبن فلان؟ يفاجئك كيف عرفك وأنت لم تراه في حياتك أبدأُ، لكن مع الوقت تكتشف أنه مع الخبرة على مر السنين يصبحون قادرين على تمييز الأشخاص من شكلهم، أو كما يسمونها هم "أعرفك من دمك!، فأنت على دم فلان" ويقصدون بذلك أنك تشبهه بشكل كبير.

صفات مثل الفطرة والسليقة لم تعد تجدها كثيراً في عالمنا الحديث هذا إلا في أماكن نائية لم تقدر الحضارة أن تختزلها أو تعيد تشكليها، في تلك القرية لم يتغير الناس كثيرا، كأنهم عصيون على التغيير، أحد أصدقائي يسخر مني أحيانا عندما أطرح مثل هذا الكلام ويقول: "أن التقمص هو المشكلة وأنهم لن يتغيروا لأن أرواحهم لا تتجدد، إنها أرواح تتقمصهم وتعود من جيل إلى أخر للظهور، لابد من أن تأتي أرواح جديدة لتتقمص أجسادهم حتى يتغير الأشخاص"، ربما تكون فكرته عن التقمص صحيحة، ولكني كنت غالبا ما أرد على سخريته بالسخرية وأخبره بأن: " الهدف من التقمص هو الانتقال بالروح من جيل إلى جيل بهدف الرقي بها والوصول إلى النيرفانا، أي التطور للحصول على المقام الأعلى، أولعك لا تعتبر الرقي نوعاُ من أنواع التغيير"،

لا أدري ما الذي يثير كلمة التقمص مع أي ذكر للدروز، هل هما ثنائية من الثنائيات، أم لعله الشيء الأكثر تميزاً لديهم كطائفة مذهبية، لا أذكر شخصا تعرفت عليه في حياتي وعرف بأني أبن تلك الطائفة وبأني يمكن أن أكون منفتحا بالكلام عنها حتى يبادرني ذلك السؤال "هل فعلا هناك تقمص؟؟" يسألونها وكأنهم يفتحون كتاب سحر مليء بالتعاويذ ويخشون أن تكون لتلك التعاويذ نتائج غير معروفة عليهم، كنت أرد على سؤالهم دوماً بابتسامة ساخرة ولكن سرعان ما كان عقلي الشرير يرسم لي أن أخبرهم قصصاً تجعل القضية أكثر غموضاً وتشويقاً، حتى عندما كانت القصص كثيرة التخبط ويتضح أنها من نسج الخيال كانوا لا يجرؤن على نقاش صحتها، فأنا أفتح لهم مغارة على بابا كما يظنون، كانت التساؤلات تزداد لديهم ولم يكن لدي أي مانع أن أزيدهم من خيالاتي الشريرة تلك، وكنت أنتقل بهم من قصص أرواح النساء المغتصبات اللواتي تقمصن بأجساد فتيات من جديد لينتقمن ممن أغتصبهن في جيلهم السابق، لقصص الشيوخ الذين أتنقلت أرواحهم من خلف سور الصين العظيم لتحط رحالها في جسد أطفال أخذوا بالتكلم من يوم ولادتهم الأول وهم يحفظون تعاليم الدين كاملة ويخبرونها للناس في قريتنا ناشرين علومهم الدينية وتعاليم الدين وينقلونها من أسيادنا الخالدين بانتقال أرواحهم للجيل الجديد،أكثر القصص التي كنت أرددها تلك القصص التي كانت تمتلئ بالكنوز المخبأة والتي تعود أرواح أصحابها لتدل على مكان الكنوز المخبأة، كنت قد أكتشف مع الزمن أن قصص الكنوز عند مجتمعاتنا ترتبط بمكان خفي من الدماغ تمنع العقل غالبا من التفكير بالمنطق، قد يناقشك احدهم بقصة ترويها عن امرأة غانية مرت في حياتك ولكن من سيناقشك في قصة عن كنز أستخرجه أحد معارفك بعد أن فك تعويذة السحر التي ترصده بمساعدة مغربي يمر عبر البلاد، كانت قصص سخيفة يقدر أي طفل صغير على رفضها، لكنه التقمص ومن سيجرؤ على اعتباره أكذوبة أمام درزي خرج عن كل المحاذير في كشف خفايا دينه وأخذ يقص عليه كل تلك القصص التي يدعي بأنها موثقة وأنها قد حصلت لأفراد في عائلته،

كل هذه الأفكار راودتني وأنا أنقل نظراتي مع تنقلات تلك المضيفة الفاتنة وهي تتحرك في ممر الطائرة جيئة وذهاباً، كانت تتمتع بنشاط كبير وابتسامة لا تتوقف، لا أدري لربما هذه من شروط أن تكون مضيفة طيران، ولعله لم يكن يخفى على أحد جمال جسدها الممتشق والذي يزيد من جماله الزي الخاص بالمضيفات الذي كانت ترتديه، كانت التنورة القصيرة تظهر ساقيها لما فوق الركبة، ويسهل أن تعرف أن خصرها عريض قليلاً، وقميصها الشفاف كان يرسم ملامح صدرها الممتلئ تحته، ولم أستغرب كفي يديها العريضتين فأكثر الفتيات عندنا يتميزن بعرض أكفهن، نعم أنها تشبه فتيات قريتنا بكل شيء لكن مالديها من نعومة في الأصابع وبشرة وجهها النقية النضرة تعلن أنها لم تعمل يوماً في حقول القمح والحمص كما فعلت كل الفتيات التي لم تغادر تلك القرية بعد، ففي مجتمع زراعي بدائي يخلو من التقنيات الحديثة والأدوات الزراعية المتطورة يحتاج الفلاح لكل فرد من أفراد عائلته ليساعده في أعماله ولايمكن له أن يستثني أحداً من أفراد العائلة بمن فيهم الأطفال، وكثيراً ما كنت أشاهدهم عائلات كاملة تنطلق إلى الأراضي مع بداية الموسم ولا يعودون قبل الانتهاء من جني المحصول، يحملون معهم أغراض لا تكاد تكفيهم لتلك الأيام، وعندما يصلون يبنون بيوتاً من القش للرضع، ويلفون ماء الشرب بأقمشة القنب لكي يحافظوا عليه بارداً وينتشرون بين سنابل القمح الممتدة على طول الأرض، الرجال في المقدمة يقتلعون القمح من الأرض ويتركونه خلفهم لتقوم النساء بجمعه من ورائهم في شمائل كبيرة من قمح، قد تبدو تلك العملية بسيطة ولكن تجربتها تدل على أنها أصعب بكثير من ذلك، جرب مرة واحدة أن تعمل تحت أشعة الشمس الحارقة في الصيف يوماً كاملاً وأنت تتصبب عرقاً بينما تحيط بك ألاف الحشرات الصغيرة التي تسمى برغشة الحصاد تلك الحشرة التي ترفض الجلوس في أي مكان غير أذنك وتصفر بها لتعلن تغلبها عليك، ولا تفيد كل محاولاتك أن تبعد تلك الحشرة لأنها لا تمل ولا تكل من إزعاجك، قد تبدو البرغشة أكثر لطفاً من منظر الأفاعي التي تصادفهم بين الفترة والأخرى وهم ينتشرون بين القمح الذي تمنع كثافته من رؤية ما يدب بين سنابله، تلك الأفاعي التي اعتاد الفلاحون على تصنيف قوة سمها بواسطة ألوانها، سماً لا يملكون سوى طريقة واحدة لاستخراجه من دم المصاب بعد شق الجلد عند الإصابة والبدء بامتصاص الدم المسموم بالفم وبصقه ومعاودة الكرة مرة بعد مرة وهي طريقة قديمة مازالت تجدي نفعاً مع كثير من الحالات، رغم الحظ السيئ الذي قد يصيب بعضهم ولا ينفع معها أي محاولة إنقاذ، الفتيات في قريتي لم يزلن في عالمهم الصغير المختزل بين البيت والمدرسة والحقل، قد بدأن يرتدين ملابس تشبه مايرونه على التلفزيون، وأخذن يصبغن شعورهم بألوان مستوردة، كثيرات منهن أخذن طريق العلم وأصبحن طبيبات ومهندسات، لكن لاشي يخفي عليك تلك الآثار التي تركتها على ملامحهن الطبيعة القاسية التي عاشوها في قرية تكون في الشتاء محرقة من شدة بردها القارص وتتحول لمحرقة أشد في الصيف من شدة أشعة الشمس فيها، ولطالما أثارت استغرابي شمس القرية بقربها من الأرض هناك، وكثيراً ما ضحكت لعبارة أبي المشهورة كلما تأففت من شدة الشمس وقربها منا كان يقول لي " طبيعي، ما نحن قبل الله بشوية!!"، نعم هي قرية على قمة من قمم جبل العرب، هناك على قمة الجبل كان الرومان قد بنو مايعرف بقصر الضيعة، فقد عرف عن الرومان أنهم قد شيدوا تلك القصور على القمم وجعلوها عالية في عدة أمكنة على مايسمى حدود إمبراطوريتهم، كانت القصور ترى بالعين المجردة وكانت تستخدم لنقل الإشارات بين بعضها البعض، استخدم الرومان الكثير مما عرف عن حضارتهم من تطور في الهندسة والعمران في تلك القرى، ولم تزل الأسواق القديمة الممتدة على طريق مستقيم وأقنية الري وتجميع المياه في تجمعات قائمة حتى اليوم ويطلق عليها أهل الضيعة أسم "المطخ" ولا أعرف مصدر لهذه الكلمة ولكني أعرف أنها حوض مائي كبير ولكن مايميزه انه مصنوع وليس طبيعي، لا أعرف شيء عن الماضي الروماني للضيعة سوى تلك الآثار المتبقية هناك، وأشك بأن الرومان قد أثروا بالناس بشكل ما، لأن الناس هناك كانوا متمسكين بما هم عليه، مع أن أفكار مفكرين رومانيين تظهر كثيراً في تعاليم دينية يتداولنها فيما بينهم ولكن بشكل مشوش ومتداخل، ويثيرونك بتكلمهم عن أرسطو وسقراط وكأنهم جزء من سلسلة لتقمص سادتهم الأولياء عبر التاريخ.

أنظر إلى جاري في الطائرة وهو أصلا جاري بالنسبة لكوننا من نفس القرية فأراه مازال يغط في نوم عميق، بينما تستمر أبنته في الحركة دون توقف، أي نشاط زرعت في تلك الابنة الطفلة أيها الأب النائم، أي بسمة كنت قد زرعتها على شفتيها وأنت تحمل ملامح حزن متماهي في شخصيتك، هل تسألت ياجاري يوماً أن مافعلته عندما هاجرت كان صواباً، أم أنك تعجز عن الإجابة، هل كانت رنا الطفلة ستكون رنا المضيفة في يوم من الأيام لو لم تحملها بين ذراعيك بعيداً عن ذلك المكان القديم قدم سيدنا أدم، أم أن الحياة أكبر من أن نعرف ماستقودنا إليه أقدارنا، هل قدر لك أن تهاجر لتعيش غريبا، أم كنت سعيداً بغربتك، ليتك تصحو الآن لتجيبني، ليتك تستطيع الكلام وأنت نائم، أو ليتني أستطيع أن أقرأ أفكارك، أعرف أنك لن تقول الحقيقة لو أجبتني، لأني التقيت كثيرين قبلك ممن هاجرو لما خلف البحار، كلهم يحملون كبريائهم معهم، كبرياء أبناء ضيعتي الذي أعرفه وأعرف أنه لا يلين مع الزمن، لم يخبرني أحدهم كيف كانت حياته، لا أحد منهم يروي لك الحقيقة، كل ما يملكونه قصص يخبرونها، قصص عن أنفسهم وعن غيرهم، لا يملكون جواباً لسؤالك، كل مايملكونه هروبهم منه بسرد قصص متناثرة قد تحمل بين طياتها مايستطيعون قوله لك لو تمعنت طويلا فيها،
أنا ياجاري لازلت أذكر دموع الأستاذ فريد لعلك تعرفه، فهو أبن ضيعتنا ومن لايعرفه بعد أن حاز على كل ذلك الإعجاب والتقدير على ما أنجزه في عالم السياسة والأدب، لازلت أذكر دموعه ياجاري، تلك الدموع هي كل ما استطاع أن يقولها لي عندما زرته طالباً منه أن يطلب من أبنائه أن يمدوا لي يد العون في السفر بعيداً، كان مقعداً حينها، عاد من غربته مصاباً بالشلل النصفي أثر جلطة دماغية، كان شبه عاجزاً عن الكلام لكن شلله لم يمنعه عن البكاء، بكى كطفل صغير، لم أعرف ما أفعل حينها، كنت لم أزل في بداية الطريق، لم أفهم دموعه في وقتها، حتى عبارته التي أنهى بها نوبة الدموع تلك لم تزل ترن بأذني "الغربة كفر!!!"، نعم قالها وهو يمسح دموعه، لم أفهمها حينها، وسأكون كاذباً لو قلت أني فهمتها بعد ذلك، لربما لم يحن الوقت بعد ياجاري حتى أعلن أن الغربة كفر.

لا أستغرب كيف انجرفت وراء هذه الأفكار عن الغربة والسفر وأنا على متن طائرة ترتفع عن الأرض ألاف الأقدام، وتبتعد عن موطني الأصلي ألاف ألاف الكيلومترات، لكن المضحك أني أعتبر نفسي مخلوقاً فضائياً عندما أكون على متن الطائرات، وأشعر أني أصبح شخصاً مختلفاً، تتغير طريقتي في الكلام، حتى تحركاتي لا تشبهني وأنا على الأرض، وغالباً ما تثير لدي المضيفات على الطائرة أفكاراً جنسية، وأستمر في النظر إلى مفاتنهن وهن منغمسات في عملهن بين الركاب، وأبقى أراقبهن طويلا منتظراً أن يقمن بحركة تشد طرف التنورة قليلاً للأعلى لتكشف المزيد من سيقانهم المنزوعة الشعر، أو أن يرفعن ذراعهن حتى تنكمش البلوزة مظهرة المزيد من تفاصيل جسدهن، ولو كنت سعيد الحظ فأن انحناءة إلى الأمام بالقرب مني ستظهر بقية ما تخفيه البلوزة تحتها من صدورهن، لا أذكر الفترة التي بدأت فيها تصنيف شركات الطيران حسب المضيفات على الطائرة والزي المخصص للمضيفة، وكنت أدعو الله في بداية كل رحلة لي أن تكون المضيفة الأجمل على الطائرة في القسم الذي اجلس فيه، كنت لا أنسى أن أردد هذا الدعاء بينما من يجلس جانبي يكون غارقا في دعائه أن تصل الرحلة سالمة إلى غايتها، وبينما يسعى أكثر المسافرين للحصول على مقعد بجانب النافذة كنت أصر أنا على أن يكون مقعدي على الممر واقرب للمضيفات، هكذا كانت الأحوال في معظم أوقاتي على الطائرات ولكن في هذه الرحلة لا أعرف لماذا شعرت بالخجل من نفسي ولم أستطع أن أطلق تلك النظرات باتجاه رنا، لربما لأنها كانت ابنة الرجل الجالس إلى جانبي، أو لأنها من قريتي رغم مايبرره لي بعدها الفيزيائي عن تلك القرية، لا أدري!!!، مشاعري كانت فضولية تجاه تلك المضيفة، نظرت لها كثيرا ولكني لم أكن أنظر إلى رنا المضيفة، كنت انظر إلى رنا الإنسانة، كانت مشاعري تجاه الإنسان داخل تلك المضيفة، الإنسان الذي يمسني من الداخل، أو كما يقال: شيء ما يشبه الاتصال الروحي بيننا.

"رنا،رنا"، ناديتها مشيراً بيدي، فأعادت لي الإشارة بأن أنتظر قليلاً حتى تنتهي مما كانت منشغلة به مع احد المسافرين، شعرت بالتأفف حينها، كأنما كنت أريدها أن تكون لي وحدي متناسياً أنها مضيفة على متن الطائرة، وبقيت مثبتاً نظراتي عليها حتى بدأت بالمشي تجاهي وسبقها صوتها قبل أن تصل سائلة أياي: "ما الذي استطيع أن أفعله من أجلك ياسيدي؟"، لم أعرف ما أجيبها، فلم يكن لدي شيء محدد اطلبه منها، ولا أعرف أصلاً لماذا ناديتها، كنت أريد أن أتحدث إليها وحسب، لكنها هزت رأسها مكررة سؤالها عما أريده، "ألم يحن موعد الطعام بعد؟؟"، نطقت بتلك العبارة وأنا أشعر بالراحة لأني وجدت أخيرا الكلام لأقوله، كنت أعتقد أنها ستبتسم تلك الابتسامة التي لاتفاقها، لكنها فاجأتني بمظهرها الجدي الذي أتسم على ملامح وجهها، وسكتت لبرهة كنت اعتقد أنها تريد أن تقول شيئاً ما، لكنها نظرت حولها وأشارت لأحدى المضيفات سائلة إياها عن موعد الطعام، وسمعت الجواب أنهم بدءوا يوزعونه، فأعادت النظر إلي وقالت لي " أفرح، الطعام قادم، هل هناك ما تفضله؟"، فأجبتها ببعض التودد في صوتي "نعم، الأسماك على خطوطهم الجوية مميزة، أنا أحبها كثيراً"، "ممتاز، كنت سأختار مثلك تماماً" هذا ما قالته مبتعدة، تاركة إياي بحالة من الشعور بأنها تعاملني مثلما تعامل أي شخص أخر على الطائرة، لا أدري لما أردتها أن تعاملني كأني شخص مختلف عن الآخرين، ولكني بحثت لها عن عذر أنها لاتستطيع أن تفعل ذلك، فهي أثناء العمل، ولا أدري من أين خطرت على بالي فكرة لإيقاظ جاري لأخبره عن موعد الطعام، فأمسكت بطرف كمه، وهززته قليلاً حتى فتح عينيه ونظر إلي سائلا عما يحدث، قلت له أنه وقت الطعام، ولا أدري لم شعرت بأنه شعر بالأسف لأني أيقظته من سباته من اجل شيء مثل الطعام، فسارعت بالحديث: "أسف لو كنت أزعجتك ياسيدي؟"، رد عليّ ببعض اللطف "لاعليك، أنا هكذا استيقظ في مزاج عكر عادة!!" ، لم أستطع أن أخفي ضحكتي العالية عندما سمعت كلماته تلك، فنظر إلي مستغربا، فسارعت بالقول: " أنا أعاني من نفس المشكلة في المزاج بعد غفوة قصيرة، نحن متشابهين في هذا" لم أرد أخباره ثانية أني وهو من نفس القرية وإننا نملك الكثير من الصفات المتشابهة، وانطلقت أسأله عما يفضله من الطعام، بينما اقتربت المضيفة منه وسألته عن أحواله، فأجابها بأنه بأحسن حال، فقالت له: "بما أنك بأحسن حال، فلابد أنك رأيت ماما في أحلامك" وأكملت عبارتها بضحكة عالية، أنهتها بسرعة عندما رأت التجهم قد علا وجه جاري، فعادت تسأله عن ما يفضله من وجبة الطعام، وقبل أن يرد عليها أنهت الموقف بقولها: "حسناً أنا سـأختار لك، فمن يعرف ماتحب أكثر مني!!"

"شقية هي هذه الطفلة!!"، قال لي ذلك وهو ينظر إلي كأنه يوضح لي سلوكها معه، "حتى أبنتها ستصبح أكثر شقاوة منها عندما تكبر"،
لا أدري لما أصابتني كلمة "ابنتها" بالصدمة، فأعدت التأكيد على تلك الكلمة أمام جاري مردداً "أبنتها!!"
"نعم، أبنتها، لرنا طفلة بعمر ثلاث سنين لكنها تتركها عند جدتها لكي تعتني بها"،
سكت لبرهة وآنا أنتظر منه أن يتكلم بالمزيد، لكنه عاد لتلك العادة اللعينة التي يتميز بها، ينطق جملة واحدة ولا يقول شيئا بعدها، أي جحيم هذا الذي أنا به، هل علي أن أحمل مسدسا مصوباً على رأس هذا الرجل العجوز لأجعله يتكلم ويقول مالديه، كان الأمر قد فاض بي ووصلت لحد لم يعد ينفع معه الصبر، حتى رائحة الطعام التي بدأت تنتشر في المكان لم تعد قادرة على صرف تفكيري بهذه المضيفة التي اقتربت تحمل لنا وجبة الغداء الخاصة بنا، فاستغليت اقترابها وسألتها: "ما اسمها؟"، وضعت الصينية مكانها وسألتني مستغربة: "أسم من؟"، أجبتها متردداً: "أسم أبنتك؟"، عندها أطلقت نظرة لوم إلى أبيها الذي أنطلق بوجهه بعيدا وكأنه أفشى سراً خطيراً من أسرار ابنته، "ميرا، ميرا هو اسمها!، أليس جميلاً؟" قالت لي ذلك وهي تشير إلى والدها طالبة منه أن يريني صورتها، فأخرج الرجل العجوز محفظته من جيب جاكيتته وفتحها مظهرا لي صورة رنا تحتضن الطفلة الصغيرة التي تحمل شبهاً كبيراً لها، نظرت إلى رنا وقلت لها "أنها تبدو جميلة جداً في الصورة"، وأردفت "بأنها جميلة كأمها"، قلت تلك الكلمات وشعرت بأني قد تجاوزت خطاً لم يكن لي أن أتجاوزه، ولكن المضيفة ابتسمت وشكرتني على لطفي ومضت تكمل عملها، بدأ الرجل العجوز بتناول طعامه غارقا في صمته لايشوبه سوى مضغه للطعام، حاولت أن أبدأ تناول طعامي ولكن عندما أمسكت بالسكين كان يصدر عن معدنه لمعاناً كلما حركته تجاه الضوء، أخذت أحركه شمالاً ويميناً ناظرا إلى ذلك اللمعان يتحرك على طول السكين، لحظتها فقط أدركت أني لم أرى خاتماً في يد المضيفة، لم يكن هناك أي معدن يلمع على أصابعها، كيف فاتني ذلك؟ كيف لم ألاحظ ذلك منذ البداية، ربما لأنه تعودت على فكرة أن المضيفة يجب أن تكون غير متزوجة، إذا لم تكن رنا متزوجة وهي أم لطفلة وهي لاترتدي خاتماً بيدها، كنت أحاول أن أبعد تلك الفكرة من رأسي، حاولت كثيرا أن ألتهم طعامي واجعل دماغي يصمت عن التفكير، لكن فكرة أن رنا مطلقة كانت تصرخ في رأسي، هذا أكيد، رنا مطلقة، ولكنها أم، عندها توقفت عن تناول الطعام ورفعت رأسي باحثاً عن رنا، وكم كان غريباً أن أراها تقف بعيداً هناك وتنظر إلي مباشرة، وعندما التقت نظرتي بنظرتها أشاحت بنظرها بعيداً،
لم أعرف ماكانت تفكر به رنا في تلك اللحظة، لابد أنها كانت تفكر بابنتها، لربما كانت حاقدة علي لأني ذكرتها بها الآن في خضم هذا المكان البعيد،
لم تمض فترة طويلة حتى توقف الأب عن تناول طعامه، نظرت إليه وهو يستخدم منديلا لمسح يديه وفمه، فأعاد النظر إلي، علمت أن لديه كلاماً يريد أن يقوله، تمنيت لو أنه يخرج أخيراُ عن صمته، لو كنت أعلم أية طريقة تخرج الكلام في تلك اللحظة من فمه لفعلتها، لكني بقيت منتظراً، ولكن لم يطل انتظاري في هذه المرة، فقد بدأ بحديثه أخيرا...

"هل تعتقد بوجود يوم يصفح فيه الأبناء عن أخطاء اقترفها أهلهم بحقهم؟" وأكمل دون أن ينتظر رداً مني، "لما يملك الآباء مقدرة الصفح والنسيان عن مايقترفه الأبناء بحقهم، بينما لايملك الأبناء هذه المقدرة؟؟، هل اقترفت ذنباً بحق ذويك يوماً؟ أجبني؟"

"نعم، كل منا قد يمر بلحظة يسيء التصرف فيها تجاه ذويه!!"، هكذا أجبته دون أن أبذل جهدا بالتفكير في سؤال كهذا
نظر إي متسائلا: "وماذا فعلوا؟!!!"
"لاشيء، اعتبروا تصرفي جهلاً مني وعدم دراية وتقدير!!!"
"تماماً" قالها وكأنه قد وصل لغايته، لكني لم أكن أريد للحديث أن ينتهي هكذا، فبدأت أشرح له أن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً، ولا تقف عند من أخطئ بحق من وعند من يسامح من، القضية أكثر تعقيداً من ذلك، هناك قضايا لايمكن لك أن تصل بها لجواب واحد، قد يؤدي الخطأ لتغيير في مسار حياة إنسان لدرجة يكون معها غير قادر على الصفح والنسيان، لكنه أصر على أن الوالدين سيسامحون أبنائهم في النهاية، لكن الأبناء حالة مختلفة،

رغم كل مقدرتي على الجدل والنقاش، توقفت في تلك اللحظة، لم أكن أريد أن أستمر في النقاش حول الخطأ والغفران، من أخطأ ومن نسامح، كانت تلك مرحلة قديمة من حياتي قد تجاوزتها، ماعدت أرى بعدها الأمور من زاوية الخطأ والصح، وتحولت القضايا إلى قضايا ظرفية زمانية ومكانية، ماحصل في مكان ما، ربما لن يحصل في مكان أخر ولو حصل ماكانت الأطراف ستكون هي نفسها، وإن ردود الأفعال على الأحداث نفسها ستختلف باختلاف الأشخاص، كل ذلك تفاصيل جزئية ستختلف في كل حين، الحياة تراكمات لأفعال وردود أفعال، كلها تجري في مسرى الزمن، الزمن الذي يمضي أسرع من الوقت اللازم لفهم وحل تداخلات قضايانا، يمضي في طريقه مراكماً أمامنا المزيد من المسائل التي لو أردنا التوقف عندها لاستمرت الحياة بعيدا عنا تاركة إيانا غارقين في حيرة ماذا حصل وماذا لو لم يحصل؟؟


عدت لأكمل طعامي وكان في رأسي ألاف الكلمات التي أود قولها ولكن لم أعرف لماذا اخترت الصمت لحظتها، ربما كان وجود تلك المضيفة في الأجواء يعطي أحساساً بسلام ما، لم يكن لدي الرغبة في الجدال، انتظرتها حتى عادت ثانية وتبادلت معها بعض أطراف الحديث، لم يسمح وقتها بالكثير، لكن لم ينتهي لقائنا هنا على متن الطائرة، طلبت منها أن أراها ثانية لو سمحت ظروفها، لم تمانع وأعطتني أرقامها، انتهت الرحلة في ذلك اليوم، وودعتهم على أمل أن ألقاهم، كانت ابتسامتها أخر شي بقي في ذاكرتي من تلك اللحظات.
--------------------------------------------------

0 comments:

Post a Comment