10- الهديـــة
لم يكن يميز ذلك اليوم شيئاً سوى أنه بدأ منذ الصباح بارتفاع في درجة الحرارة رغم أنها لم تتجاوز التاسعة صباحاً، وقد كنت في عجلة من أمري ولكن ذلك لم يمنعني من تصفح بريدي الالكتروني قبل الخروج من المنزل، كان البريد مليء بالرسائل التي رحت اقرأ عناوينها دون أن أحاول قراءتها، رسائل كثيرة تجاوزتها حتى وصلت لتلك الرسالة التي أصابتني بدهشة كبيرة عند رؤيتها،كانت رسالة من رنا بعد شهور من الانقطاع المستمر، ترددت قليلاً قبل أن أفتحها، ولكن بعد أخذي نفس عميق قررت أن أرى مابداخلها، كانت رسالة مختصرة جداً، تقول فيها:
"اشتقت إليك، ليتك لم ترحل، ليتك تعود"
لا أدري بعد قراءة تلك الكلمات كيف أصابتني نوبة ضحك جنونية دامت فترة طويلة انتهت بحالة من الشعور بالتعب والإرهاق، شعور قاتل بالحاجة إلى النوم، ولم ادري كم من الوقت مر قبل أن أتمالك نفسي وأنطلق خارجاً من المنزل، أمضيت نهاري في العمل دون أن أتكلم مع أحد، كنت شارد الذهن طوال الوقت، حتى أنني لم اسمع أحاديث من كانوا حولي ولا صوت الهاتف الذي كان يرن طوال الوقت في المكتب، لم أتناول طعام الغداء ولا حتى شربت قهوتي، أصابني صداعاً قوياً يعصف برأسي، عدت للمنزل وأنا بحالة من التشتت، كانت كلمات رنا هي كل مايجول في خاطري ويتكرر مرة تلو الأخرى،
"اشتقت إليك، ليتك لم ترحل، ليتك تعود"
رنا، مالذي تفعلينه بي من جديد، هل تتمتعين بعذابي، أم أنك معذبة مثلي، كيف لي أن أعرف ما افعله من أجلك، هل أرد على تلك الرسالة المجنونة، أم أكتفي بتجاهلها وكأن شيئاً لم يكن، هل أستطيع أن أتابع حياتي لو حذفت تلك الرسالة وذهبت أتسكع في الشارع، أنا لن أعود يا رنا، كان صعباً علي المغادرة والابتعاد عنك، ولكن ليس بصعوبة فكرة العودة إلى قربك، أنا غير قادر حتى على الرد على رسالتك يارنا، أني أعجز عن التفكير ولا أملك ما أقوله لك يارنا، نعم كنت عاجزاً عن الرد على تلك الرسالة التي لم أرد عليها معتقداً أن ذلك سيسهل الأمور على رنا كما سيسهل الأمور بالنسبة لي،
لم يمر وقت طويل حتى عادت رسالة أخرى من رنا تظهر في قائمة الرسالة، قررت ألا أقرأها في ذلك اليوم، لكن قوة غريبة دفعتي في المساء عندما عدت إلى منزل أن أقرأها، لم أكن أعرف ما سأجده في داخل تلك الرسالة، ولكن ما فيها لم يكن متوقعاً
" وائل، أراك يوم الجمعة في مطار دمشق، موعد هبوط الطائرة في الساعة العاشرة صباحاً، اشتقت أليك"
هل هي مجرد مزحة، رنا في دمشق، مجنونة أنت يارنا، مالذي قادك إلى كل هذا الجنون، تهربين مني عندما كنت قربك والآن تلاحقيني وأنا في النصف الأخر من الكرة الأرضية بعيداً عنك ألاف الكيلومترات!!!!، كانت حالة غريبة من المشاعر تجتاحني في تلك اللحظة، مشاعر غضب وفرح في نفس الوقت، حالة من الضحك والبكاء في نفس الوقت،
ما هو تاريخ اليوم؟ رحت أسأل نفسي!! لم يبق الكثير حتى يوم الجمعة، ما الذي يجب أن أفعله، هل اعتذر منها، هل افرح لقدومها، هل وهل وهل وهل ، ألاف التساؤلات كانت أمامي بدون جواب، أو لنقل بدون مقدرة على التصرف إزاء تلك الحالة التي وضعتني فيها رنا، لا أعرف كيف أمسكت الهاتف وطلبت رقمها، كنت كمن يمر في حالة تنويم مغناطيسي، أتصرف بدون إرادة مني، لم يرن الهاتف سوى مرة واحدة وفتحت الخط بعدها، لم انهي عبارتي "مرحباً رنا" حتى صرخت بي:
"وائل، أين أنت؟" اشتقت إليك كثيراً"
"أنا هنا في دمشق"
"أعرف أنك في دمشق، اشتقت إليك كثيراً، لا استطع العيش بعيداً عنك ياوائل"
كنت أود أن أرد بالقول لها بأنها لو استطاعت العيش بدوني لكانت نسيتني وكأن شيئاً لم يكن، ولكن شعوراً خفياً سيطر علي ومنعني من الرد بتلك الطريقة، وحل محل ذلك الكلام كلام أخر ملئه الحب والاشتياق،
"وأنا اشتقت إليك كثيراً يارنا، لو تعلمين بأي حال أنا الآن!!" قلت كلماتي تلك وأنا استغرب كيف أقولها بعد كل ماعانيته
"لا عليك ياوائل، لاعليك، سأعوضك عن كل تلك الأيام، سأكون بقربك، أنتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر"
"وأنا كذلك انتظر يوم الجمعة!!"
"هل تريد شيئاً أحضره لك معي من استراليا؟؟"
"لا شيء يارنا، لاشيء يخطر ببالي الان"
"حسن، فكر واخبرني قبل أنا أغادر استراليا، وسأحضره لك بالتأكيد"
"لا أريد شيئاً، صدقيني، المهم عندي هو رؤيتك أنت فقط"
"حبيبي وائل، أنا مشتاقة لك جداً، لقد أحضرت لك هدية معي سأخبرك عنها عندما أصل إلى دمشق"
لا أدري كيف أصف وقع كلمة حبيبي التي كنت اسمعها منها لأول مرة، كانت تحمل نغمة خاصة لم أعهدها في أذني من قبل،
"هل قلتي حبيبي؟، أو أنا أحلم يارنا؟؟"
"لا، أنت لا تحلم، أنت حبيبي، لكنك تسألني عن كلمة حبيبي فقط ولم تسألني عن الهدية"
"هدية؟؟ ليس هناك هدية تعادل كلمة حبيبي يارنا"
"من يعرف، لربما هديتي اكبر من كلمة حبيبي" قالت عبارتها تلك وهي تضحك ضحكتها التي افتقدتها كثيراً،
شعرت بسعادة كبيرة وأنا اسمع تلك الضحكة، ولا أدري كيف انتقلت مع تلك الضحكة إلى عالم أخر، عالم نسيت معه كل تلك الشهور التي قضيتها في معاناة الوحدة والفراق عنها، استمرت مكالمتنا تلك أكثر من ساعتين، تحدثنا كثيرا مثلما كنا نفعل من قبل، رحنا نخطط لزيارة رنا إلى دمشق وكيف سنقضيها، كانت ستقضي أسبوعين كاملين في دمشق، وأرادت أن تضع خطة لزيارة الكثير من الأماكن التي تسمع عنها، خططاً كذلك لزيارة القرية التي نعود أنا وهي إليها بجذورنا، الكثير من الأشياء كانت في ذلك المخطط التي كانت تعمل عليه بالكثير من الجهد والتدقيق بينما كان وجودها معي هو كل ما يعنيني في ذلك المخطط،
لم أعد اذكر كم كانت قوية وطويلة تلك الضمة التي ضممتها إياها في ارض المطار، لكن الزحمة حركة المسافرين العائدين أجبرتنا على أن نحمل أمتعتها وننطلق باتجاه السيارة، كنت انظر في عينيها وأنا أقود السيارة، بينما هي لم تسكت طوال الطريق، كانت تتحدث بسرعة مستمرة بأخباري عن تفاصيل رحلتها الطويلة، كانت مشرقة الوجهة رغم التعب البادي على ملامحها من طول الرحلة، وصلنا إلى المنزل ورحت انقل الحقائب الكثيرة التي كانت أحضرتها معها،
"ما كل هذه الحقائب" سألتها مستغرباً
"أغراضي، نسيت أنني سأبقى لأسبوعين"
فرددت عليها مازحاً
"كنت أظن أن الحقيبة الكبيرة تحوي هديتي التي وعدتني بها، أليس كذلك"
"هديتك؟" لا ليست في تلك الحقيبة"
عدت للمزاح قائلا:
"إذا لم تكن هديتي في تلك الحقيبة الكبيرة، فلابد أنها في حقيبة صغيرة، بالتالي هي هدية صغيرة؟"
"لا، أنها هدية كبيرة، لا يمكن وضعها في حقيبة" قالت عبارتها تلك وانفجرت بضحكتها التي تسحرني أو يمكن وصفها بأنها ضحكة تشلني عن الحركة وتوقف قلبي عن الخفقان،
"ومالذي تحويه تلك الحقيبة الصغيرة جداً" سألتها مستغرباً،
"أنها حقيبة كاميرا التصوير، احضرها معك، سأريك الصور الجديدة لميرا، هل تصدق بأني بدأت أشتاق إليها"
"ميرا؟؟، كيف هي ميرا، أنا أيضا اشتقت إليها"
"أحضر الكاميرا لأريك الصور"
أحضرت الكاميرا لها وجلست بجانبها انتظر أن تريني تلك الصور، ولكني شعرت بنفحات عطرها تمتد من خلال انفي لتمتد في عروقي كما يمتد الهيروين في عروق المدمنين ، كم كنت اشتاق لتلك الرائحة التي افتقدتها طويلاً، رحت أتنشق عبيرها بينما كانت تتنقل بين صور ميرا،
لم أكن انظر إلى تلك الصور فقد كانت خصلات شعرها تقف بيني وبين شاشة الكاميرا ولكن ذلك لم يزعجني، كانت خصلات شعرها المتناثرة أمامي تثير بداخلي رغبة وشوق وإليها، لا أعرف كيف نظرت إلي في تلك اللحظة وكأنها أدركت من صوت أنفاسي ما كان يجول في داخلي من مشاعر، كان وجهها في مواجهتي تماما لايبعد عني سوى سنتيمترات قليلة، نظرت في عينيها اللامعتين قبل آن اشعر بشفاهها تلامس شفاهي، لم أكن اعرف هل هو أنا أو هي من بدأ تلك القبلة الطويلة ،....ـ
،"
.... يبتع .......
...اممممممم
ReplyDeleteلذيــــــــذ هذا الجزء
تدري؟
لما كنت أقرأ عن وصفك لتقبيل رنا
كنت أقول في خاطري شي
وألاقي رنا فاجأتني بطريقة تقبيلها
اللي كنت فاكرة إن أنا الوحيدة اللي تقبل بتلك الطريقة
واصل واصل
ننتظر الوصف بدقة أكثر
;)
بيور
ReplyDeleteبصراحة لم اكن اعرف ماسيكون تعليقك الذي تقولين انك تجاوزت فيه حدك
لكن بعد قرائته فرحت كثيراً لأن ماكتبته يحرك الخواطر لديك وهو شيء مهم بالنسبة لما اكتبه، لأنه بالنهاية دليل على ملامسته لمكامن الذاكرة لدى من يقرأ
أما عن طريقة التقبيل تلك فكنت اعتقد ان رنا وحدها التي تقبل بذلك الشكل أيضاً
:)
واخبرك بأني اذكر حديث مطول لرنا عن القبلات لابد اني ساكتبه في مايأتي،
لكن لا اعرف عن التفاصيل، أنا في حيرة من امري، هل امر على تلك التفاصيل ام استمر في روايتها بشكل عام،
لا أعرف حتى الأن، لم اقرر بعد
تحيتي
بالنسبة لحيرتك في السرد بتفصيل أم باختصار
ReplyDeleteإن كنت متردّدًا
اكتب باختصار مع تفصيل بسيط
ومع انتهاء الرواية
يمكنك إضافة ما رغبت بإضافته
وأنت على ثقة مما تكتب
قد يكون هذا حل مؤقت
حتى تأتي فكرة أخرى أثناء السرد
ما رأيك؟
اليوم أشوف العكس
ReplyDeleteابدأ بسرد التفاصيل كلها في هذه المدونة
وبعد أن تتخذ القرار الرسمي لنشر الرواية
يمكنك حذف ما لا يتقبله البعض
لكي لا ننحرم منها ونستمتع بها
;)
pure
ReplyDeleteهلا
اشوفك كل يوم برأي :)
أعتقد أني سأدع المزاج يتصرف ، لأني بالأخر كل يوم بمزاج مختلف عن الأخر
مودتي
قد أكون وصلت متأخراً جداً ..ـ
ReplyDeleteعادةّ لا تعنيني الروايات العاطفية .. ولكن هذه التدوينات كانت فيها لمسة خاصة.. ببساطة هذا من أجمل ما قرأت..ـ
ولكن فاجأني توقفك عن الكتابة.. هل قررت أن تكتبها في رواية.. إذا كان ذلك فأتمنى أن تخبرنا بالعنوان.. لأنني سأكونأول من يشتريها..ـ
أحس تماما سبب كتابتك ولكن لا يجب أن تتوقف.. يجب أن تعود ولو بعد مرور كل هذه الفترة .. يجب لهذه الحتوتة ان تكتمل.. لترضي سبب الكتابة..ـ
تحياتي
أهلا بك سومر،
ReplyDeleteلا ادري ان كنت ساكمل ما بدأت،
لقد تعودت طوال حياتي على ان اكتب شيء ما لأرميه فيما بعد،، لست من كتاب الروايات ولكني اعاني من مرور لحظات تدفعني لأكتب لكنها لاتستمر حتى اكمل مابدأت أبدا
لا ادري هل هذا مايسمونه نزوة الكتابة فقط؟
القصة كتير حلوة
ReplyDeleteانا حتى بلا نهاية شايفتها حلوة. لأن كل واحد فينو يتخيلها متل ما بدو و يعمل نهاية لحالو,, بس مع هيك كمان حلو انو نعرف شو كانت النهاية عند الكاتب :)
من أجمل ما قرأت قد اعدتني الى فترة كنت اعشق فيها الروايات و اعشق فيها القراءة لفترة ليست ببعيدة ولكني احيانا احس بها كأنها كانت في حياة أخرى شكرا لك فلقد لامست أعماق كنت قد نسيت انها موجودة
ReplyDeleteأرجو منك أن لاتكون ( كمتسابق المارثون)وأن تتابع كتابة القصة
ReplyDeleteهذه القصة التي تظهر الثقافة العالية والاسلوب المميز الذي اثر فيا شخصيا ووصل الى اعماقي لدرجة اني نشرت هذه القصة لكل من احبه واعتقد انه قادر على الاحساس بها(بعد اذنك طبعا)ربما لانها اعادت الي ذكرياتي القديمة او لانها ناتجة عن احساس صادق
المهم الاّن الكثيرون ينتظرون الجديد!!!!
إلى كل من مر من هنا وترك كلماته الطيبة وراءه
ReplyDeleteلن اخفيكم ان هذه التدوينات كنت قد بدأت نشرها مع بداية هذا العام، ولكنها سببت لي مشكلة ما!!!!! فتوقفت عن نشرها وقمت بأخفائها وحصر الدخول إليها بالمخوليبن فقط،
ولكي ادعكم تضحكون عليّ قليلا سأخبركم بأني كنت نسيت كلمة السر والايميل الخاص بالمدونة، ولكن عطلة الميلاد كانت طويلة نسبيا فقررت العمل على الاستفادة من العطلة واعادة فتح المدونة وعملت طويلا حتى اكتشفت ماهو الايميل الخاص بها واستعدت كلمة السر
وقد فاجأني ان اعادة نشر التدوينات ظهر على موقع التدوين السوري وان الكثيرين قرأو ما كنت نشرته سابقا،
والبعض يرغب ان اكمل هذه القصة!!!
لا ادري هل انا قادر على اكمال القصة الأن؟
فأنا الأن اعمل على مشروع لنقل برامج قديمة وتطويرها لتعمل بـ
Ruby on Rails
وهذا سيأخذ الكثير من وقتي بالأضافة لأن الاسباب التي دفعتني في ذلك الوقت لكتابتها اختلفت كثيرا
بكل الاحوال، ربما سأنشر جزءا اخر في وقت قريب
وشكرا لكل الكلمات الطيبة التي سمعتها منكم
بايجادك كلمة السر فتحت بابا للكثيرين ام يقرأوا هذه القصة
ReplyDeleteقد يبدو نوعا من الالحاح و لكن اعتقد ان الكثيرين ينتظرون اكمال القصة