Saturday, April 25, 2009

5- ســـــراب


-5-
سراب


انتهى لقائنا يوم السبت ولكنه كان بداية جديدة لنا، بداية أهم ما يميزها هو مستوى عالي من الانسجام والتوافق، لم يخفى عليها ذلك السحر الذي أصابني من طريقتها في تلاوة القصص والاستماع إلى الحديث والمناورة، كانت ساعات طويلة تلك التي جلسناها ولكن لم نصل إلى مرحلة نفقد فيها المقدرة على الكلام، كانت هناك ألاف القصص التي أود أن ارويها لها، شعرت يومها أنني كنت اعرفها من سنين طويلة وكأننا انفصلنا منذ زمن وعدنا لنلتقي ثانية وكل واحد منا يريد أن يخبر الآخر عن تلك الأيام التي فصلتنا وما جرى لنا فيها، غادرت المكان وتركتني اضحك على طول الفاتورة التي وصلتني من المقهى، كانت قائمة طويلة جداً فيها أكثر من عشرة فناجين من القهوة وأربعة من الاسبريسو ، ثلاثة فناجين من الشاي، كل تلك الكمية من المشروبات، لا ادري كيف شربناها دون أن نفكر بشيء نأكله، لم أشعر بالجوع يومها، عدت للمنزل بعد ساعات أخرى من التسكع على الأرصفة وبين المارة، كل ماكان يخطر ببالي هو روعة ماحصل لي في ذلك اليوم، وسرعان ماخطر لي أني نسيت أن أسألها عن موعد عودتها، متى ستكون على الأرض ثانية سؤال أزعجني أني لم اعرف جوابه في لحظتها، لكن سرعان ما عدت لفرحي الذي لم أكن أود أن أتنازل عنه لأي سبب كان.
مرت ثلاثة أيام قبل أن تعاود الاتصال بي، كانت أيام طويلة ولم يكن من السهل أن أبقى في حالة الانتظار تلك لولا الأمل والشوق إلى سماع صوتها الذي كان مجرد تذكره ينسيني تلك الساعات الطويلة من الانتظار، عدت يومها في وقت متأخر إلى المنزل، كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، جلست أتناول طعام العشاء المكون من ساندويتش جبن مع فنجان من الشاي، كان على طاولة العشاء كتاب قديم لم انتهي من قراءته، أمسكت به ورحت ابحث عن الصفحة التي وصلت إليها، فأنا لا أضع المؤشرات داخل الصفحات لأعرف أين وصلت، هي عادة قديمة اكتسبتها لأني كنت عندما امسك بكتاب ما لا ادعه حتى أصل لأخر صفحاته فلا حاجة لمؤشر الصفحة، كانت تلك أيام قديمة تجاوزتها ولم اعد اقرأ الكثير من الكتب ولكن عادة عدم تحديد الصفحة التي وصلت إليها بقيت معي، لا أعرف يومها لماذا قررت أن أقرأ آخر صفحة في ذلك الكتاب، كانت الصفحة الأخيرة في الكتب تثير دهشتي دوماً، لطالما رغبت أن تكون الصفحة الأخيرة مكتوبة بطريقة أخرى، لاتسعدني نهايات الكتب بشكل عام، اشعر أن الكاتب يصل في لحظة من اللحظات إلى تعب الكتابة فينهي كتابه كمن أنهى لتوه سباق ماراثوني طويل لايقوى على قول أية كلمة ولكن يكفيه انه وصل لخط النهاية، لم يثيرني أن نهاية الكتاب لم تخيب ظني بها، كانت كما توقعتها مليئة بكلمات وداع أمام قبر ما، وذكريات الكاتب تسترجع لحظات عاشها مع الشخص الميت في ذلك القبر، ضحكت قبل أن أرمي الكتاب من يدي ولكني لم ارمه على الطاولة أمامي ولكن رميته بعيداً نحو زاوية تتراكم فيها كتب أخرى، رميته بعيداً كي لا أعود لقراءته ثانية، فلا رغبة لي بقراءة كتاب تنتهي به الأمور لقبور وذكريات، وعدت إلى ذكرياتي السعيدة مع رنا، "رنا، أين أنت الآن؟" هكذا رحت اسأل نفسي، قبل أن أحمل فنجان الشاي وانطلق لأجلس أمام التلفزيون بحثاً عن شيء للتسلية، كان هناك فيلم من فترة التسعينيات، شاهدته من قبل ولكنه شدني من جديد وهو شيء لا يحدث لي عادة، لا أحب مشاهدة الأفلام مرة ثانية مهما بلغت شدة إعجابي بها، وحده فيلم أماديوس الذي يحكي قصة عن حياة موزارت شاهدته سبعة مرات متتالية في شهر واحد، كان فيلماً غريباً بالنسبة لي، كانت هناك رؤية ما لم استطع الوصول إليها وكلما عدت لمشاهدته ازدادت كمية الغموض في تلك الرؤية، ولكن لم يكن هناك أي فيلم أخر قد أثار اهتمامي بذلك الشكل ثانية، لا أعرف كيف غرقت بالنوم إمام جهاز التلفزيون وأنا في هلوستي تلك.
أيقظني صوت الهاتف، نظرت إلى الساعة كانت تجاوزت الثالثة بعد منتصف الليل، تململت قليلاً من هذا الهاتف المتأخر ولكن مفاجأة صوتها على الهاتف كانت كافية لتبعد ذلك التململ ولتحل محله شعوراً بالفرح والنشوة، "أهلا، أهلاً برنا، أين أنت الآن؟" سألتها مسرعاً وأنا أتمنى لو كانت أمامي في تلك اللحظة،
"أنا في المطار، حطت طائرتنا منذ قليل، آسفة لو كنت أيقظتك!!، لكني لم استطع أن أمنع نفسي من الاتصال بك"
"لا، لا عليك، انأ مسرور لاتصالك، فأنا أنتظر هذا الاتصال منذ رحيلك، وسأكون مسروراً لو كان لديك الوقت لنلتقي"
"حسن، يمكنني أن أراك قبل معاودة الطيران غداً، سأراك لو أحببت في الساعة الثامنة صباحاً، رحلتي في العاشرة صباحاً"
"ولماذا الانتظار حتى ذلك الوقت، يمكنني أن أراكي الان!!"، قلت تلك العبارة وأنا لا أفكر في شيء آخر سوى رؤيتها، ولم انتبه لذلك إلا عندما سمعتها تضحك ضحكتها العالية التي تسحرني معها، "الآن، هل آنت مجنون، إنها الثالثة بعد منتصف الليل، وأنا بحاجة للنوم والراحة قبل الانطلاق في رحلة الغد من جديد،"
شعرت بخيبة الأمل لعدم إمكانية رؤيتها في ذلك الوقت، ولم ادري كيف خطرت على بالي تلك الفكرة فصرخت بها: "حسناً تعالي إلى منزلي، سأحضر لك عشاءاً خفيفاً ويمكنك اخذ حمام منعش،"، قلت عبارتي تلك وآنا لا أنتظر منها أن ترد، كنت ألح في طلبي لدرجة أنها لم ترفض، أخذت مني العنوان وودعتني قبل أن تنطلق بسيارة أقلتها إلى منزلي،
لا أعرف كيف انطلقت كالمجنون ارتب مايمكن ترتيبه من فوضى تعم أرجاء المنزل، كل الأشياء كانت موضوعة في أماكن غير صحيحة، الكتب مبعثرة على الأرض هنا وهناك، جهاز الكمبيوتر احتل أكثر من نصف طاولة الطعام، وما تبقى من الطاولة عليه أشياء لا أعرف سبب وجودها هناك، حاولت أن أعيد ترتيب الأغراض ولكني شعرت بعدم جدوى محاولتي في تلك الدقائق القليلة المتبقية لي، فسارعت لأغسل وجهي وارتدي ملابسي، وسرعان ما دقت على الباب بيدها ولم تستعمل الجرس، شعرت وكأنها كانت تدق على صدري وبدأ قلبي بخفقان قوي يعبر عن الحالة التي أصابتني، لم أكن مراهقاً في يوم من الأيام ولا اعرف كيف اجتاحتني كل تلك المشاعر مع سماع دقات الباب، ركضت وفتحت لها الباب، لم انتظر حتى أغلق الباب ورائها بل ضممتها بقوة وكأن دهراً مر على لقائنا الأخير، كانت ابتسامتها تملئ ملامح وجهها كما تعودت عليها، ولكن التعب بادي على حركتها،
"أين هو الحمام؟" كانت تلك أول عبارة لها بعد آن فتحت لها الباب، ولم تنتظر إن أدلها على الاتجاه ولكنها رمت مابيديها من حقائب وأسرعت باتجاه الداخل محاولة اكتشاف الحمام بنفسها، اختفت خلف باب الحمام وآنا واقف في منتصف البهو للمنزل، كأنني لمحت شبحاً مر من أمامي واختفى، دقائق مرت قبل أن تخرج وهي تعبر عن ارتياحها لدخولها ذلك المكان، انطلقت تتجول في أرجاء المنزل ناظرة لكل شيء من حولها، لا أدري عن ماذا كانت تبحث، ولكني تبعتها في جولتها السريعة تلك، فجأة توقف ونظرت إلى في نظرة متفحصة، وقالت لي
"كما توقعت، بيتك يشبهك تماماً!!"،
أردت أن أسألها كيف تبين لها ذلك ولكنها لم تترك لي الفرصة في الكلام بل راحت تسألني عن العشاء!! ضحكت عندها وانطلقت إلى المطبخ وتبعتني وفتحت الثلاجة وأخذت تخرج منها بعض الخضار والفواكه، أخرجت بعض قطع من الخبز والجبنة والقليل من الزبدة ولكن اكتشفاها لصحن الزعتر لدي جعلها تصرخ بصوت عالي، "ووااا، زعتر، لديك زعتر، أنا أموت بالزعتر،" قالتها وهي تبحث عن الزيت الذي ناولته لها، وضعنا كل تلك الأشياء على الطاولة آو المكان المتبقي من الطاولة، وبدأت تصنع لنفسها ساندويتشات صغيرة الحجم من الجبنة والزعتر، وتمسك بها باليد اليمنى بينما تمسك بيدها اليسرى أوراق الخس الخضراء، جلست قبالتها وأنا أراقبها وهي تتناول طعامها بنهم ممتع، كانت تتكلم وهي تأكل لم تتوقف عن الكلام والأكل، سردت لي كل تفاصيل رحلتها الأخيرة لم تتجاوز آي تفصيل مهما كان صغيراً، كنت استمع لها وأنا أراقب حركاتها بين طعام وكلام، أنهت كل قطع الخبز التي أحضرتها ورفضت أن احضر لها المزيد، حملت صحن في القليل من الجزر المقطع وانتقلت به إلى المقعد العريض الذي كان يتوسط غرفة الجلوس، غاصت داخل ذلك المقعد لكبر حجمه، وراحت تكمل باقي تفاصيل رحلتها، انتقلت معها للجلوس على الكرسي المقابل لكرسيها، وبقيت انظر إليها، لا استطيع أن اصف شعوري في تلك اللحظات، أردت أن أخبرها كم اشتقت إليها وإلى سماع صوتها ولكني لم أتكلم ليلتها اكتفيت بالاستماع فقط، لم تتوقف عن الكلام وأنا لم أتوقف عن الابتسام والنظر إليها، ولم يقطع تلك اللحظات سوى منظر الضوء الذي بدء يشق السماء عن الأرض معلناً وقت الفجر، نظرت إلى منظر الفجر وهي واقفة أمام النافذة تراقب الضوء المشع من بعيد، ثم بحركة سريعة خلعت حذائها من قدميها ورمت به بعيداً، وجلست إلى جانبي وهي تعبر عن حاجتها إلى راحة ونوم عميق، ألقت برأسها على كتفي وراحت تنظر إلى عيني بنظرة طفولية ملئها الحاجة إلى الحنان والدلال، أمسكت بشعرها الأسود بيدي ورحت ألاعب أطرافه الناعمة، أمسكت بيدي لتوقف حركتها وأغمضت عينيها، سألتها إن كانت تود تغيير ملابسها والذهاب للنوم، ولكني لم اسمع رداً منها، وبدأت أنفاس متتابعة تصدر عنها وهي تغط في نوم عميق على كتفي، أحطت بها بقوة بذراعي وانحنيت برأسي فوق رأسها ورحنا نغط في نوم عميق، لم نستيقظ إلا على صوت رنين هاتفها النقال وهو يعلن موعد الاستيقاظ، لا اعرف أي نشاط دب بعروقها، وأسرعت بأخذ حمام سريع، أخرجت من حقيبتها مصفف الشعر ومتطلبات الماكياج، كانت تتحدث وهي تقوم بكل تلك الأعمال وآنا أراقبها وأراقب حركاتها، لا ادري كيف انتهت خارجة من المنزل يومها تاركة إياي في حالة من الذهول، لم اعرف هل كان وجودها في المنزل تلك الليلة مجرد حلم أم حقيقة، كل شي مر بسرعة، كنت سأصدق انه مجرد حلم لو لم تنسى ساعتها على المغسلة، أمسكت بالساعة بين يدي ورحت أراقب عقرب الثواني وهو يمشي، كم من المرات ستدور أيها العقرب وكم من الساعات ستمضي قبل أن ألقاها ثانية،

أسابيع عدة مرت على لقائنا تلك الليلة والذي تتابعت بعده لقاءاتنا، حيناً في منزلي وحيناً في إحدى المطاعم أو المقاهي، كان الوقت المتاح لها هو ما يحكم على اختيارنا لمكان ومدة اللقاء، سريعة كانت الأيام تمضي بنا ويوماً بعد يوم صرنا متلازمين لبعضنا، إن لم نلتق فأننا نمضي وقتاً طويلاً على الهاتف، وفي يوم اللقاء نجوب الشوارع معاً، نمرح ونتسلى ننتقل بين أطراف المدينة التي كنت اسكنها ولا اعرف أي شيء عن معالمها حتى قامت بتعريفها لي شارعاً شارعاً وحجراً حجراً، وحدها الأيام التي كانت تذهب فيها لرؤية ابنتها ميرا كانت تبعدني عنها، وكانت مرات قليلة تلك فلم تكن الفرصة تسمح لها أن تزورها أكثر من مرة كل أسبوعين، عندما اكتشفت ذلك شعرت بالحزن على تلك الطفلة التي تعيش بعيداً عن حضن أمها في وقت هي بأمس الحاجة إليه، رنا كانت تعرف ذلك وهو ماكان يزيد من معاناتها مع ذلك الوضع، ولكن لم يكن سهلاً عليها إيجاد حل مناسب لكل الأطراف، في أخر نقاش لنا حول الموضوع حاولت رنا الهروب منه، لم تكن تريد أي نقاش مفتوح حول قضية بقاء ميرا مع جدتها، لم اعرف يومها ما الذي دفعني إلى الإلحاح على تلك القضية، كان هناك شيء خفي يدفعني للتساؤل عن الطريقة التي يجب أن تؤول لها الأمور، تساؤل نقلته بدوري إلى رنا لكي احصل على أي جواب ممكن،
يومها صرخت بي رنا بصوت عالي: "وائل توقف أرجوك توقف عن وضع الملح فوق الجراح!!"
"الملح يطهر الجراح، يا رنا!!!" أجبتها بنبرة عالية كذلك،
"مالذي يمكن لي أن أفعله؟" نظرت إلي متسائلة ولم تنتظر الإجابة بل أكملت حديثها، "وائل، مالذي تعتقده، هل تعتقد أني أتخلى عن ابنتي ميرا، لا، هذا مستحيل، لأني بحاجة إليها أكثر من حاجتها لي، أنت لاتعرف شعوري عندما ابتعد عنها وكيف تكون حالتي إن لم تسمح ظروفي في رؤيتها لفترة طويلة، أنا لا يمكن لي أن اترك عملي ، فأنا بحاجة له، بحاجة لكل مبلغ اجمعه من اجل مستقبلها، لا يمكن لي أن اعتمد على آبيها في شيء فهو شبه عاجز كما تعلم، أما آبي وآمي فهما لا يملكون أكثر من ذلك المكان الذي يسكنون به ليؤوينها به، ليس لها احد غيري الان،"
"ليس لديها أحد غيري!!" أخذت تعيد تلك العبارة والدموع تنهمر من عينيها، لم اعرف عندها هل أتوقف عند ذلك الحد أم أستمر في إلحاحي عليها، كنت أريدها أن تصل لجواب مقنع بخصوص ميرا، كان لابد لها أن تعرف كيف ستؤول بها الأيام، فلا يمكن لميرا أن تبقى وحيدة وهي يوماً بعد يوم تحتاج إلى من يكون إلى جانبها ويساعدها، لا أعرف كيف خطرت ببالي فكرة غريبة حينها،
"لم لا تحضرينها معك في الأسبوع المقبل لنقضي الوقت مع بعضنا هنا جميعاً في سيدني؟" لم أكد أكمل عبارتي تلك حتى نظرت إلي نظرة مباشرة محاولة أن تفهم ماهو قصدي من تلك الفكرة،
"أحضريها إلى هنا، بدلاً من إن تذهبي إلى هناك" أجبت بطريقة تبسط الموضوع بشكل كبير،
"حسناً ومن يعيدها بعد ذلك؟ فليس لدي الوقت الكافي لأعيدها؟" ردت وكأن الفكرة راقتها ولكن بحاجة لبعض التفحص بالتفاصيل،
"أنا سأعيدها، بعد سفرك سآخذها إلى ملبورن وأسلمها لأمك، هذا شي سهل بالنسبة لي،!!!!!" ، لم استطع أن افهم من نظرتها في تلك اللحظة فيما كانت تفكر، ولكني شعرت بالحماسة في عينيها، فعدت أشجعها على القبول بالفكرة، "لاعليك سنقضي عطلة نهاية أسبوع سعيدة، سيكون كل شي على مايرام!"
"حسناً، ستكون رحلة جيدة لميرنا للخروج من المنزل وقضاء بعض الوقت معي،"
لم يكن حديثنا يحمل حل للمشكلة ولكني كنت أريد الوصول بالموضوع إلى مرحلة قابلة للنقاش معها، كنت أفكر بطريقة الخطوات المتتابعة، الخطوة خطوة كانت الطريقة الوحيدة لجعلها تقبل نقاش تلك القضية الشائكة،
مر الأسبوع الأخير بسرعة، عملت الكثير من الساعات الإضافية لأنهي العمل المتراكم وأفرغ نفسي لعطلة نهاية الأسبوع، أحضرت من ينظف المنزل ويعيد ترتيب الأشياء، وملئت المطبخ بأنواع كثيرة من الطعام والمشروبات، ورحت ابحث من حولي عن أي أدوات حادة آو ضارة بالنسبة إلى طفل بعمر ميرا، كل شي كان على أحسن مايرام، كانت رنا قادمة في صباح الخميس ومعها ميرا، سيمكثون ثلاثة أيام كاملة تعود بعدها رنا لرحلاتها وأنا أعود بميرا إلى ملبورن،
لايخفى على احد ممن يعرفني إني لست من هواة اللعب مع الأطفال وليس لدي الروح الكافية لتسليتهم، علاقتي محدودة بذلك العالم الغامض تماماً بالنسبة لي، لذلك فكرت كثيراً بالطريقة التي سأتصرف بها مع ميرا، من السهل التعامل مع الكبار ولكن بالنسبة للأطفال فأنه مخطئ من يظن انه يسهل التعامل معهم، لكن بالنسبة لي ميرا هي موضوع مختلف، لم أفكر بها كطفلة عادية كانت بالنسبة لي جزء مهم وغير قابل للفصل عن رنا، وإن كان لعلاقتي برنا أن تستمر لابد أن تكون ميرا جزء من تلك العلاقة، هذا كل ماكنت أفكر به قبل أن التقي بميرا، ميرا الطفلة التي ملئت فراغاُ كبيراً بداخلي منذ اللحظة الأولى التي شاهدتها فيها، كانت نسخة كبيرة عن أمها، تحمل ملامحها بأدق تفاصليها، تتمايل في مشيتها بطريقة تثير بداخلي رغبة أن احملها وأضمها كأنها ابنتي من دمي، لم تكن نظراتها عندما التقيتها مع رنا في شارع مزدحم بالناس تميزني عن باقي الناس ولكن سرعان مابدأت علاقتنا تتوطد وتزداد نظراتها تجاهي تفحصاً واكتشافاً لي، فأنا هذا الغريب القادم من المجهول الذي بدأ يشاطرها كما يتضح لها جزء كبير من حياة آمها الممسكة بذراعي بينما هي ممسكة بيدها الأخرى،
"ميرا، سلمي على وائل، انه صديقي الذي حدثتك عنه" قالت رنا تلك الكلمات في محاولة منها لشق الجدار الذي كانت تخشى أن يتكون بيني وبين ميرا، ولكن ميرا كانت تنظر إلي من موقعها محاولة اكتشاف هذا الرجل الطويل الذي كان يقف أمامها، فاجأتها بأن حملتها بين ذراعي ورفعتها إلى الأعلى وحملتها على ذراعي وأنا أقول لها "هذه هي ميراً الجميلة إذاً، سمعت عنك كثيراً" قلت ذلك وهي كانت تنظر إلى أمها التي أعادت إليها النظرة لتشعرها بالأمان، عادت ميرا تنقل نظراتها بيني وبين رنا، حتى بدأنا نمشي ونحن نتبادل الحديث، كانت ضحكة رنا تعبر عن سعادة بادية على وجها في ذلك اليوم، تنقلنا بين عدة أماكن، كانت رنا قد أعدت لنا بعض الساندويتشات التي تناولناها سوية في إحدى الحدائق العامة، جلسنا نراقب ميرا وهي تحاول أن تقترب من بعض الأطفال الذين كانوا يلعبون بالقرب منا، كانت تقترب منهم بحذر في البداية وتنظر بين الحين والأخر إلى رنا بطرف عينها ولكن سرعان ما انسجمت مع الأطفال، أكثر من ساعتين ونحن في تلك الحديقة نراقب ميرا، كانت رنا تسند رأسها على كتفي وأنا أضع يدي على كتفها الأخر، لم نتحدث كثيراً في ذلك اليوم كعادتنا، كان يوماً مخصصاً لميرا، مع اشتداد حرارة الشمس انتقلنا من ذلك المكان وذهبنا إلى مطعم صغير لتناول طعام الغداء، كانت البيتزا بحجمها العائلي تثير شهيتي وأنا اشعر بجوع كبير، تناولت رنا قطعة صغيرة من تلك البيتزا وقطعتها لعدة قطع ووضعتها في صحن ميرا التي رفضت أن يساعدها احد في تناول الطعام، كانت تمسك بشوكة ولكن سرعان مارمتها وراحت تتناول قطع البيتزا بيدها، رميت بدوري الشوكة التي كانت بيدي ورحت أتناول قطع البيتزا بيدي، تناولنا غدائنا وانطلقنا بعدها للشوارع والتسكع، كنت احمل ميرا معظم الوقت وكنت ادعها تمشي على الأرض عندما تخلو الشوارع من الازدحام، كان يوماً حافلاً انتهى بنا في منزلي وميرا تغط في نوم عميق على كتفي، أسرعت بوضعها على السرير الصغير الذي كنت أعددته من اجلها قبل أيام، ضحكت رنا عندما رأت السرير، "أحضرت لها سريراً، أيضاً" قالت تلك العبارة وهي تقبلني قبلة سريعة على خدي أشعرتني بالخجل، وودعت ميرا بقبلة أخرى على جبينها، وانطلقت إلى غرفة الجلوس وتبعتني رنا بدورها،
لا ادري ماهو سر الصمت الذي خيم في البداية على المكان، كنت اسند رأسي على مسند الكرسي وأنا انظر إلى رنا التي كانت تتنقل بين غرفة النوم وغرفة الجلوس وهي تعيد ترتيب الأشياء التي كانت تخرجها من حقيبتها، انتهت جولاتها المكوكية تلك بعد فترة قصيرة وجلست إلى جانبي، كان في عينيها نظرة سعيدة لم أكن افهمها في تلك اللحظة، ولكنها عبرت عنها بكل بساطة، قالت أنها سعيدة بذلك الشعور الذي منحتها إياه اليوم، الشعور بالعائلة، لا أدري كيف كان ردة فعلي تجاه تلك الكلمة "العائلة"، لم أكن من هواة تلك الكلمة سابقاً ولكن شيء ما قد تغير مع وجود ميرا ورنا في منزلي ذلك اليوم، ولكن شعوراً بالامتعاض انتابني في تلك اللحظة، لم ادري ما هو في البداية ولكني شعرت بأن كلمة عائلة كانت تعني أكثر من تلك القبلة التي طبعتها على خدي، كان بداخلي شعور كبير لأن أضمها وأقبلها، كنت بحاجة لقبلة من نوع أخر، كنت انظر إليها بعينين مشتاقتين يملئهما شعور بالحاجة لها، فأخذت تداعب شعري بيدها وسألتني وكأنها تعرف مايدور في رأسي:
- " هل لازلت على وعدك لي؟؟"
- "أي وعد؟" سألتها وكأني لا اعرف عن ماذا تتكلم!
- "أنت وعدتني أن تكون صديقي وان تتوقف عن حبي!!"
- "أن أكون صديقك، فهذا وعد لن أتنازل عنه ولكن أن لا احبك فهو شعور لا املك السيطرة عليه!!"
- "وائل أنت تعذب نفسك بالحب، اكتفي بي صديقة أنا أعدك بأن صداقتنا لن تتوقف عند حدود الحب، الصداقة ستجمعنا في عالم رحب قادر على الاستمرار، أنا لست من هواة الحب في هذا الزمن، لربما لو اختلفت الظروف ولكن الآن ليس هناك مكان للحب"
- "الظروف تتغير لو أردناها أن تتغير، ثقي بكلامي!!"
- "وائل أنا لا أخفيك كم من الأشياء تغيرت منذ ظهرت في حياتي، وأنت تعرف أني أحمل لك من المشاعر أكثر مما اظهر واني أود أن ارتمي بين ذراعيك واطلب منك أن تضمني إلى صدرك، ولكنك تعرف بنفس الوقت أن شعوراً مثل هذا سيعذبك ويعذبني، لا أريد أن أعطيك حلماً لن نقدر على أن نحياه، أنا احبك كما أنت في مكانك، أنا احبك صديقاً لي، صديقاً أقرب إلى نفسي من روحي، اشعر بك في داخلي وهو شعور يزداد مع الأيام، أصبحت أخاف أن افقد هذا الشعور، لا أريد أن أخسرك بعد أن وجدتك، وأنا أعرف أن كل ما يتوجب عليَ القيام به الآن هو أن أمنعك من حبي، الحب سيطالبنا بأشياء أنا غير قادرة عليها وسنخسره مع الوقت، الصداقة هي كل ما استطيع أن أمنحك، أنا اعرف أن حدود الصداقة لا تقف عند زمان آو مكان، الصداقة عالم اشمل من عالم المشاعر اللحظية !!"
"لا أدري لو كنت تخدعين نفسك يارنا، آو تخدعيني بهذا الكلام!!" قلت عبارتي هذه وأنا اشعر ببعض الندم على نطق تلك العبارة، شعرت بأنها لاتريد متابعة الكلام في تلك اللحظة، طلبت منها أن ترافقني لأعداد فنجان من القهوة وعدنا بعدها إلى غرفة الجلوس نرتشف القهوة بينما نتجادل كما اعتدنا في قضايا كثيرة، كنا نبدأ بالمواضيع ولا ننتهي كصديقين عاشا معاً مغامرة كبيرة بحجم الحياة ولا ننفك نتكلم عن تلك المغامرة فيما بيننا.

نمنا في ساعة متأخرة تلك الليلة ولكن مع ساعات الصباح الأولى أيقظتنا ميرا وراحت تتنقل بين الغرف وتلعب بكل ما يصادفها بالطريق، استيقظت في البداية وأنا غير قادر على القيام من السرير ولكن ضحكة ميرا وهي تصرخ فينا جعلتني احمل نفسي على القيام وانطلقت إلى المطبخ اعد بعض الشاي والحليب وبعض السندوتشات لميرا، تبعتني رنا إلى المطبخ وصنعت لنفسها فنجان من القهوة، وجلست تشرب فنجانها وهي تراقبنا أنا وميرا نلعب كطفلين صغيرين بين زوايا المنزل، لعبنا كثيراً قبل أن تبدأ رنا بالصراخ علينا أن نستعد للخروج، كانت قد حضرت بعض الأغراض بهدف الانطلاق للبحر، أمضينا نهارنا في ذلك اليوم على شط البحر، لم تحدث الكثير من الأحداث ولكنه كان نهاراً مليئاً بالتسلية والفرح، عدنا في آخره للمنزل متعبين مرهقين، وقد أحرقت الشمس أجزاء كثيرة من أجسادنا رغم كل تلك الواقيات التي استخدمناها،
أيام ثلاثة مرت وكنا في قمة السعادة، رحلت رنا تاركة طفلتها بين يدي، لم اشعر بسعادة مثل تلك لحظة كنت مع ميرا لوحدنا، كانت تسحرني بضحكتها الطفولية وطريقتها المتعثرة في لفظ الكلمات، ودعنا رنا في المطار وعدنا في رحلة طويلة إلى بيت جدها الذي استقبلنا بالكثير من الود والفرح ولكن مع بعض المعاتبة لما أخفيته عنه في لقائنا الأول من كوننا أولاد ضيعة واحدة ولكنه لم يبدي أي ضيق من تلك القضية، رفضوا أن أغادرهم قبل أن أشاركهم طعام الغداء، لم ارفض تلك الدعوة لي وكنت ارغب حقيقة بالبقاء لأكتشف أكثر وأكثر عن ذلك العالم الذي نشأت به رنا وعن الناس الذين تربت فيما بينهم، الكثير من الأحاديث تناولناها في ذلك اليوم، كانت رنا محور لكثير من الأحاديث، الأب كان يرغب لو أن ابنته أتمت دراستها الجامعية ومارست عملاً على الأرض، لم يكن يحب شغلة المضيفة تلك كما قال، الأم بدورها تشعر بالمسؤولية الكبيرة التي تحملتها لرعاية ميرا، وأنه لابد لرنا ان تستقر وان تعيد تشكيل عائلتها من جديد.

عدت إلى سيدني في ذلك اليوم وأنا افكر بالطريقة التي كانت الحياة تأخذني بها في مسرى لا أستطيع التحكم به، فكرة واحدة أرعبتني لم اكن قد فكرت بها من قبل، لم اكن افكر كثيراً بمواعيد سفري أو انتهاء عقودي، لكني في هذه المرة بدأت تساورني مشاعر القلق والخوف مع أقتراب موعد نهاية عقدي واقتراب موعد الرحيل، ليس لدي الوقت الكافي في هذه الرحلة، شعرت بأن الحياة اقصر مما كنت اتوقع، شيء ما بدر إلى ذهني في تلك اللحظة ان اجدد عقدي مع الشركة من اجل البقاء لمدة اطول، لكن عبثية تلك الفكرة سيطرت عليَّ، فما فائدة البقاء لشهر اخر أو شهرين، لابد ان الوقت سيمضي بسرعة بعدها ولن اتمكن من البقاء، هل عليَّ أن اجد لنفسي عملاً دائما هنا في استراليا لأبقى إلى جانب رنا، فكرة العمل الدائم تلك جعلتني اشعر بالغثيان، لم اكن ابداً احب البقاء في مكان ما لوقت طويل، كانت الرغبة الدائمة في التنقل تنهش روحي كما تنهش روحي رغبة العودة إلى تلك المدينة التي ولدت فيها، كنت احمل خليطاً غريباً من المشاعر لكل شيء، لم اكن احب الاستقرار ولا اعرف كيف استقر في مكان ما، لكني كنت ارغب به من اجل رنا في تلك اللحظة، من اجل رنا سأبقى في هذا المكان وسأتحمل كل شيء من اجلها، كانت تلك الافكار ترعبني بلاشك، وبدأت افهم معها سبب خوف رنا من الحب، كانت تشبهني كثيراً وكانت تعرف ماذا يعني الأرتباط بطرف أخر برابط الحب، كانت تعرف ان الحب صراع لاينتهي بين مشاعر متناقضة تجتاحنا ولن يهدأ حتى ينتصر هذا الشعور ولكن انتصاره يعني خسارة لبقية المشاعر والبدء في متاهة كبيرة تبدأ بخنق مشاعر الحب والقضاء عليه مع الوقت، كانت الصداقة خارج تلك المتاهات، كانت رنا تعرف أن الصداقة قادرة على العيش رغم الحدود والبعد، وحده الحب يرفض البعد ويرفض البقاء وراء الحدود، الحب هو أن تملك كل شي وان تعطي كل شي، من هو الكائن القادر على ان يكون كل شي وان يعطي كل شيء بنفس الوقت، كنت اشك بأني ذلك الكائن كما كانت رنا تأكد لي في نفس الوقت، رنا كانت ترى أبعد مما استطيع أن أرى ، هل هو الحب الذي يعمي العينين، هل الحب أعمى كما يقولون، لم أعد متأكداُ من شيء، كنت متعباً لدرجة أن كل ما فعلته حين وصلت إلى المنزل هو أن اندسست في سريري ورحت أغط في نوم عميق.
مرت عدة ايام قبل ان تعود رنا في زيارة خاطفة، تناولنا معاً طعام الغداء في احد المطاعم قبل ان تعود إلى المطار اخبرتني انها ستغيب لمدة خمسة ايام متواصلة وانها لن تتواجد في نهاية الاسبوع، كان تتكلم كعادتها بسرعة تريد ان تخبرني الكثير من الاشياء ولكني فاجأتها بقولي اني أرغب بزيارة ميرا في نهاية الاسبوع وقضاءه في منزل اهلها،
أنتظرت قليلاً قبل أن تظهر تلك الابتسامة الخفيفة على وجهها، وقالت لي ان ميرا ستكون مشغولة مع والدها في هذا الاسبوع، فهو سيزورها هناك ويقضي معها عطلة نهاية الاسبوع، لم اعرف بما اجيب في تلك اللحظة، ولكني أجبت بأني سأوجل زيارتي لوقت اخر، دون ان أقتنع بتلك النهاية للحديث،
في اليوم التالي اتصلت بوالدها واخبرته بأني قادم في نهاية الاسبوع لو لم يكن عنده مانع، فرحب بي كثيراً وقال ان زوجته ستفرح كثيراً لهذه الزيارة، وكان ذلك بادياً عليها عندما استقبلتني بالكثير من الترحاب والتهليل، ولم تكن مائدة الطعام اقل ترحيبا من الكلمات، فقد امتلأت بأصناف كثيرة من الطعام الذي اثار شهيتي وذكرني بتلك الموائد في الشرق، كانت الكبة والتبولة والفتوش وأكلة المنسف المشهورة في بلادنا تزين الطاولة التي اجتمعنا حولها جميعا، انا ووالدي رنا كما شاركنا الطاولة ميرا ووالدها مانوئيل الذي لاحظت بشاشته وحسن استقباله لي عندما علم انني صديق للعائلة قادم من بلدهم الاصلي، لم اخبره بما كان يجمعني مع رنا، واكتفيت بالأحاديث العامة التي يمكن ان تجمعنا، كان شاباً بدت عليه علامات المرض والوهن، لكن ذكاءاً حاداً يشع في عينيه المائلتين إلى الصفرة، وكانت نظراته لا توقف عن النظر إلى ميرا طوال الوقت، كان يتضح كم من مشاعر الحب يحمل لتك الطفلة التي يعجز اي انسان عن ان لايحمل لها مشاعر الحب بعد ان يراها، كانت ميرا تبادله تلك المشاعر كما يتضح من الطريقة التي تركض بها بين قدميه وتتسلق عليه حتى تصل إلى حضنه وتقبله وهي تركض مبتعدة كأنه تلعب لعبة ما، كان يوما حافلاً بالأحاديث حول مايجري من حولنا في هذا العالم الذي كان مانوئيل يصفه بأنه عالم مجنون، شعرت بالحزن على وضع ذلك الشاب الذي كان في وضع صحي متردي بأنتظار دوره للحصول على كلية من متبرع ما، كان يحمل أملا بأقتراب حصوله على تلك الكلية وهو ماجعله يعود إلى الجامعة لمتابعة دراسته، كان يعمل في مكتب البريد في مقاطعته وهو عمل يدر عليه بعض المال ويساعده على تحمل تكاليف العلاج الباهظة، في ذلك اليوم سأل كثيراً عن رنا وعن اخبارها، تكلم في اكثر من مرة عن مدى اشتياقه لها وان يتمنى لو تستطيع ان تزوره في أقرب وقت ممكن، لم يسؤني ذلك الكلام على عكس ما كنت اتوقع، شعرت بالحب الذي يحمله لرنا وكم يعني له ذلك الحب، أن أنسان عاجز ولكنه متسمك بحبه، لم اشعر بالشفقة عليه بقدر ماشعرت بالأعجاب بمقدرته على التمسك بالحياة والحب، هل مرضه هو سبب قدرته ذلك،
شيء ما اصابني وانا اعود في ذلك اليوم إلى مدينتي وحيداً، مشاعر جديدة ولدت مع تعرفي إلى مانوئيل ورؤيته مع ميرا كل تلك الساعات، أفكار كثيرة مرت في رأسي كل تلك الساعات وانا في طريقي عائداً إلى المنزل، انتهت عندما اتصلت بي رنا تسألني عن يومي وكيف قضيته، اخبرتها بلقائي بمانوئيل وماجرى بيننا، رحت اقص عليها تفاصيل النهار كاملاً، كانت تستمع بشيء من الصمت، كانت متخوفة من شيء ما لم ادركه ولكن مع استمراري في الحديث شعرت بأنها أستعادت رغبتها بالحديث وكأنها تبينت الايجابية التي تقبلت فيها مانوئيل كشخص موجود في حياتها دون ان أبدي اي انزعاج او مشاعر سلبية تجاهه،
مرت ايام بعدها قبل ان تعاود من رحلتها وتأتي إلى منزلي قبل الفجر بقليل، دخلت المنزل دون أن تطرق الباب مستخدمة نسختها من المفاتيح التي كنت اعطيتها لها، دخلت إلى المنزل إلى المطبخ مباشرة لتعد بعض القهوة التي اثارتني برائحتها الزكية وجعلتني انهض من سريري، كانت تبدو في حالة من التعب والأرهاق ولكنها لم تمل من الحديث، راحت تتكلم لساعات طويلة حتى غالب النعاس عينينها، فتركتها في المنزل وانطلقت إلى العمل، اتصلت بها عدة مرات خلال النهار ولكنها لم ترد، حتى عدت إلى المنزل ووجدتها لاتزال تغط في نوم عميق، اي ملاك كان يسكن في داخلها في تلك اللحظة، كانت تتبسم وهي نائمة، بقيت اراقبها مدة طويلة وهي تتقلب في سريرها، لم ارغب في إيقاظها، كل ماكنت ارغب به هو ان أرها تنعم في ذلك السلام والهدوء البادي على وجهها،
ذهبت إلى السوق واحضرت بعض الطعام لأجل الغداء، وجدتها قد استيقظت وتشرب مابقي من قهوة الصباح، أستقبلتني بضمة كبيرة وكأنه مر زمن طويل على لقائنا، وراحت تدور حولي بحركة راقصة مهللة كمن وقع تحت تأثير مشروب مسكر، ضحكت كثيراً لحركتها تلك ورحت اعد طعام الغداء الذي تناولناه بسرعة وانطلقنا في الشوراع دون اي هدف نسعى إليه، عدنا إلى المنزل بعدها لتجهز أغراضها من اجل رحلتها، سألتها متى ستعود، لكنها أسفت أنها لن تراني نهاية الاسبوع لأنها ستزور ميرا هذا الاسبوع،
لم اشعر بالأسى ولكن خطرت في رأسي فكرة غريبة في تلك اللحظة جعلتها تضحك عندما سمعتها مني، قلت لها "لماذا لانذهب جميعا لزيارة مانوئيل في نهاية الاسبوع"
"حسناً لم لا، أنا موافقة" قالت ذلك وهي تودعني

.......يتبع ........



11 comments:

  1. ووووووو
    متى كتبت الجزء الخامس؟

    إنه طويل
    وأحب الاستمتاع به
    سأقرأه لاحقًا

    وينك ما بينت يومين؟

    ReplyDelete
  2. أناهون ومش هون ، على رأي المثل القائل "متل ام العروس مشغولة وفاضية"

    ابتعدت عن النت لأتمكن من انهاء الجزء الخامس وبدأت تحضير وتنقيح الجزء السادس،

    بأنتظار تعليقك

    ReplyDelete
  3. إيــــــه.. انتهيت من القراءة واستمتعت وعشت معك
    :)الأجواء وسأتدخّل بشكل مزعج في كل مقطع

    :نبدأ
    فأنا لا أضع المؤشرات داخل الصفحات لأعرف أين وصلت، هي عادة قديمة اكتسبتها لأني كنت عندما امسك بكتاب ما لا ادعه
    أحب المقاطع التي تتحدث بها عن نفسك

    ولكن مفاجأة صوتها على الهاتف كانت كافية لتبعد ذلك التململ ولتحل محله شعوراً بالفرح والنشوة،
    لا أدري .. أنا دائمًا أعتقد أن الرجل لا يحب المرأة المبادِرة، يحب أن يجري هو وراءها ويحب الوصول إليها بصعوبة، ولكن مع الرجال الخجولين لا ينفع إلا الهجوم ههههههههههه

    أحطت بها بقوة بذراعي وانحنيت برأسي فوق رأسها ورحنا نغط في نوم عميق
    اللـــــــــــه .. في رومنسية أحلى من كدا؟

    هل تعتقد أني أتخلى عن ابنتي ميرا؟
    في هذا المقطع لم افهم لمَ كان ردها هكذا
    فأنت لم تقل ما يثير غضبها أو لكي تقلبها مَحزنة

    من السهل التعامل مع الكبار ولكن بالنسبة للأطفال فأنه مخطئ من يظن انه يسهل التعامل معهم
    إيـــــه .. هذا ما نعانيه مع المعلمين الوافدين
    مشكلتهم أنهم درّسوا مراحل أعلى في بلدهم
    ويجدون صعوبة في التعامل وتدريس الصغار في مدارسنا

    كانت رنا قد أعدت لنا بعض الساندويتشات التي تناولناها سوية
    كانت البيتزا بحجمها العائلي تثير شهيتي وأنا اشعر بجوع كبير
    لسة من شوي واكلين سندويتشات.. كيف جعتوا بهالسرعة؟
    ربما المقطع هذا بحاجة إلى توضيح فوات الوقت لأنه يبدو وكأنه جزء واحد

    وميرا تغط في نوم عميق على كتفي
    الكل صار يغط بالنوم على كتفك .. شكل أكتافك ساحرة هههههه

    وهي تقبلني قبلة سريعة على خدي أشعرتني بالخجل
    لا أدري .. أتعلم أن خجل الرجل يثير المرأة؟
    هناك اختلاف في الأذواق .. ولكن أنا يقتلني الرجل الخجول الذي يحمل لي مشاعر ولكنه يخبؤها عني
    والذي يبقي يديه بعيدًا

    كنت بحاجة لقبلة من نوع أخر
    هههههههههه French Kiss? تقصد

    فأخذت تداعب شعري بيدها وسألتني وكأنها تعرف مايدور في رأسي:
    - " هل لازلت على وعدك لي؟؟"
    - "أي وعد؟" سألتها وكأني لا اعرف عن ماذا تتكلم!
    - "أنت وعدتني أن تكون صديقي وان تتوقف عن حبي!!"
    حركــــــــــــات! الحين من جاب سيرة الحب؟
    النسوان يبطون الكبد ههههههه هذا تعبير نستخدمه بلهجتنا المحلية

    أنا احبك صديقاً لي، صديقاً أقرب إلى نفسي من روحي، اشعر بك في داخلي وهو شعور يزداد مع الأيام
    اش بقى بعد؟ كل هذا ومو حب؟

    الحب سيطالبنا بأشياء أنا غير قادرة عليها وسنخسره مع الوقت، الصداقة هي كل ما استطيع أن أمنحك
    هذه المقاطع تخرب على رنا .. لأنك يا عيني عليك في غااااية التهذيب ولم تلمح بشيء.. وهي التي تداعب شعرك تقول لك هذا الكلام؟

    نمنا في ساعة متأخرة تلك الليلة ولكن مع ساعات الصباح الأولى أيقظتنا ميرا
    أموووت وأعرف عملتوا إيه قبل النوم هههههههههه

    وقد أحرقت الشمس أجزاء كثيرة من أجسادنا رغم كل تلك الواقيات التي استخدمناها
    لم تذكر ملابس رنا للبحر .. ولم تصف تفاصيل جسدها وما تحبه وأي جزء أجمل فيها .. غريبة

    كانت الرغبة الدائمة في التنقل تنهش روحي
    حتى وإن لم تؤمن بالأبراج
    فهل أنت من مواليد برج الحمل؟

    ReplyDelete
  4. شوو هي؟
    ليش الكلمات تتكرر في السطر الثاني؟

    ReplyDelete
  5. Hi Pure

    تدخلاتك جميلة وممتعة وليس فيها اي ازعاج وسأرد على ما اراه بحاجة للرد

    :نبدأ
    "أحب المقاطع التي تتحدث بها عن نفسك"
    أنا احاول في هذه القصة رسم صورة لنفسي،لا ادري لو كانت تشبهني فعلاً، لكن كما قلت سابقاً أنا في حالة دراسة للذات

    هل تعتقد أني أتخلى عن ابنتي ميرا؟
    في هذا المقطع لم افهم لمَ كان ردها هكذا
    فأنت لم تقل ما يثير غضبها أو لكي تقلبها مَحزنة

    هناك وصف نستخدمه عندنا هو "محراك الشر" ومحراك الشر هو شخص يكفي ان يقول كلمة ليصنع مشكلة منها،
    اعتقد انني قلت كلمة واحدة لكنها فتحت الباب على مشكلة كبيرة عند رنا، مشكلة تخيفها وتوترها بشكل كبير،
    تخيلي لو انك تكلمت عن مضار المشروبات الكحولية امام شخص مدمن على المشروب لكنك لاتعرفين انه مدمن، ألا يثير ذلك غضبه ويبدأ بالدفاع عن نفسه وكأنه متهم رغم انك لم تتهميه بأي شي؟

    "لسة من شوي واكلين سندويتشات.. كيف جعتوا بهالسرعة؟
    ربما المقطع هذا بحاجة إلى توضيح فوات الوقت لأنه يبدو وكأنه جزء واحد"

    نعم انت محقة، الوقت في هذا المقطع غير واضح، حتى اني اختزلته كثيراً، ولو لاحظت اني لم اتحدث عن اليوم الثالث ،فقط اكتفيت بالأشارة لأنهم بقوا عندي ثلاثة ايام،
    كنت أعتقد ان الوقت ليس هو المهم في هذه القصة، فأنا اهتم بالأشخاص وبالخط العام للقصة، الوقت هو عامل ثانوي بالنسبة لي،

    وميرا تغط في نوم عميق على كتفي
    الكل صار يغط بالنوم على كتفك .. شكل أكتافك ساحرة هههههه

    معك حق والحقيقة أن أي طفل احمله لايحتمل اكثر من دقائق حتى ينام بين ذراعي، ، أما عن رنا اعتقد انها كانت متعبة وكانت ستنام بكل الاحوال حتى لو على الارض

    "هناك اختلاف في الأذواق .. ولكن أنا يقتلني الرجل الخجول الذي يحمل لي مشاعر ولكنه يخبؤها عني
    والذي يبقي يديه بعيدًا"

    برأي المرأة تحب ان تسمع كلمات الاعجاب بها من قبل من تحب،


    أموووت وأعرف عملتوا إيه قبل النوم هههههههههه
    حسب تسلسل الاجزاء حتى الان، اعلمك بأنه لم تجري اي اشياء غير ماكتبته، ليس هناك اي مشاهد محذوفة،
    ولا اريد ان اخبرك عن المستقبل، دعينا ننتظر ونرى ماسيحدث
    :P


    "لم تذكر ملابس رنا للبحر .. ولم تصف تفاصيل جسدها وما تحبه وأي جزء أجمل فيها .. غريبة"
    كلما كنت انظر إلىيها كنت ارى انسانة مجردة من اي تفاصيل، كانت روح اكثر منها جسد،

    "فهل أنت من مواليد برج الحمل؟ "
    هههههههههها
    لا انا لست من مواليد برج الحمل،
    لن اخبرك من اي برج لأني فعلاً لا اؤمن بالابراج ولا احبها،
    بس اعلمك اني ولدت في منتصف الليل ليوم يفصل بين برجين، ولا اعرف لأيهما يجب ان انتمي
    :]


    مودتي لك

    ReplyDelete
  6. برأي المرأة تحب ان تسمع كلمات الاعجاب بها من قبل
    من تحب

    تقول برأي المرأة
    أي امرأة هذه؟
    النساء مختلفات
    والرجال مختلفون
    لذلك قلت أن الأذواق تختلف
    والمرأة التي اكتفت من سماع كلمات الإعجاب من الرجال، يثيرها الرجل الذي لا يبوح لها إلا بصعوبة
    وهذا النوع هو الخجول
    والخجول ليس هو الجبان
    ولكن من يحمل مشاعر كثيرة
    وله قلب حسّاس
    يحب من أعماق قلبه
    ولكن يريد أن يعرف مشاعر المرأة تجاهه لكي يبدأ هو بالبوح
    لذيذ هذا النوع ههههههههه

    ReplyDelete
  7. سرد الحكاية لتفهم ذاتك فكرة حلوة ربما تظهر لك صور قد اغفلتها حينما عشتها
    انتظر التكملة وارجو ان تجد مرادك بالنهاية
    وان لم تجد فقد كانت تجربة جديدة بحد ذاتها ستعطيك ادراك لبعد اخر ربما

    دمت بخير

    ReplyDelete
  8. هلا وغلا
    Pure

    أتفق معك بمية بالمية بخصوص ان النساء انواع وكذلك الرجال
    وأعتقد اني وقعت بخطيئة التعميم على الجميع

    ReplyDelete
  9. BLue
    أهلا بك دوماً
    واتمنى ان اسمع رأيك بما كتبتك لأنه يهمني

    مودتي

    ReplyDelete
  10. dr.lo.st

    أتعلم أنك فتحت شهيتي للكتابة؟

    هل أجرب وأعرض ما كتبته في مجال عملي
    وما أمر به من مواقف في مدونتي؟
    أم أخصص مدونة خاصة لهذه الكتابات؟
    أم لا أكتب بتاتًا

    ولكن ما سأكتبه سيكشف جوانب كثيرة من ملامح شخصيتي وتفكيري، وشخصيتي في العمل تختلف عن هذه الشخصية الـ... لا أدري كيف أصف نفسي في مدونتي الحالية

    أنتظر رأيك

    ReplyDelete
  11. Pure
    عندنا مثل يقول اطرق الحديد وهو حامي،
    نعم اطرقي الحديد وهو حامي
    لاتحتاجين لمدونة جديدة،
    المدونة الحالية هي مدونتك ويحق لك انت تكتبي ماتريدين وبالشكل الذي تريدينه،
    إلا إذا كنتي تريدين الفصل بين الشخصيتين وعندها يكون لابد من مدونة جديدة

    المهم برأي ان تبتدأي المكان لايهم،

    في النهاية اريد ان اصفك في مدونتك الحالية،

    أنت أمرأة بسيطة بقدر ما أنت شخصية مركبة
    كل مافيكي ينضح بالنشاط والحركة
    لكن قلقة تغطي قلقلك بالفرفشة والفرح
    محبة ولكن متحفظة على الحب
    بالنهاية انتي اسم على مسمى امرأة
    لكن أمرأة تعمل لتجعل من تلك الكلمة معنى أكبر وانقى واجمل واكثر كمالاً

    وانا سأرفع لك الشابو على رأي المثل

    تحيتي ومودتي وبأنتظار ماستكتبين انا سأستمر في تشجيعك

    ReplyDelete