Friday, April 24, 2009

6- الأخرون


6- الآخرون

الأيام تمر بسرعة وتسابقها الساعات، أصبحت رنا محور حياتي الآن، رنا التي أحبها تتمسك بصداقتنا وأنا رغم رفضي للفكرة لم استطع الرفض، الحب من جانبي وصداقة من جانبها، لن اخفي عليكم حالتي التي كنت أعيشها، فرح لايوصف بذلك الحب وعذاب لا ينتهي يبدأ لحظة ابتعد عنها، ما الذي وضعني في حالتي تلك؟ كان هذا السؤال يدور في رأٍسي كثيراً في تلك الأيام، كنت أتمتع بمقدرة عالية بشرح نفسي للأخريين لكن عندما يتعلق الأمر بالحب والمشاعر فأنا أعجز عن وصف الحالة التي أمر بها حتى لنفسي، كما أنه يسهل علي أن أتكلم بصيغة الأخر على أن أتكلم بصيغة الأنا في الحب، ولو كنت اروي قصة شخص أخر لسردت عليكم كل تفاصيل مايشعر به، كنت سأرسم أدق تفاصيل المشاعر التي يمر بها، وأفكر الآن بأني قد أكون أخطأت عندما قررت كتابة القصة بلسان نفسي، ألم يكن من الأسهل أن أكتب القصة بلسان شخص أخر؟ لكن لا، إن إحساسي أكبر من أن أتخلى عن شخصيتي لشخص أخر في هذه القصة، فقد كانت علاقتي برنا علاقة لن اندم عليها ولكن لن اعرف لو جاء يوم تتضح كل تلك التفاصيل لي لأتمكن من أن أرويها لكم، لقد مر زمن طويل قبل أن أقص على احد قصة عن نفسي وبالأخص عن مشاعري، كنت توقفت عن قص ذلك النوع من الأحاديث عن المشاعر منذ اكتشفت ان من الصعب أن أصل بالفكرة التي أحملها للآخرين،
"الآخرون هم الجحيم" أليس هذا ما يقوله سارتر، أليس الآخرين من يشكلون أول مشاكلنا مع الحياة وبالتالي مع الوجود، من هم الآخرين؟ أليس الأب والأم والأخوة هم الآخرين بالنسبة للطفل، أليسوا هم أول من يواجههم في الحياة، تلك المواجهة التي ستعلن أول ملامح شخصيته، لم تكن طفولتي مليئة بالحب، كان الخوف من المجهول هو مايطغى على حياتنا من المشاعر، وإن كان هناك شعوراً غامضاً يتراءى لي بين الحين والأخر في تصرفات الأم العاجزة عن أن تعبر عن مشاعرها في وجهة الدنيا التي حرمتها من أي فرصة لإكمال تعليمها وممارسة حريتها في اختيار حياتها، لا أدري كيف ساقها القدر لتتزوج من أبي، نعم انا اعرف تفاصيل زواجهما ولكن كيف كان القدر يلعب لعبته تلك؟ كانت امي من عائلة جيدة الأحوال، فجدي تاجر القمح الذي كان يتنقل بين سوريا وفلسطين ولبنان ليشتري المحاصيل ويبيعها ويجني منها الأرباح توقفت تجارته بعد نكبة فلسطين فأستقر في سوريا في ضيعة زوجته التي كان تزوجها وهي ابنة أربعة عشرة عاماً والتي كانت تصغره بأربعين عاماً وعاشت معه حياة صامتة لا تنطق معها عما يدور بداخلها عن الرجل الذي كان احد أصدقاء آبيها والذي زوجه إياها دون حتى أن يسألها،
لا ادري كيف وصلت بالحديث لغاية جدي الأكبر، أو جد أمي والذي صادف أنه هو نفسه جد أبي، نعم فأبي هو ابن خالة أمي، وهذا ما جعلهما يتزوجان ليس لشيء أخر، فجدتي أم أبي كانت البنت البكر لأبيها الإقطاعي، والذي كان لديه الكثير الكثير من الأراضي والفلاحين الذين يعملون لديه مقابل الربع من المحصول ولذلك كانوا يسمونهم المرابعون، وكان جدي والد أبي يعمل مرابعاً لديه، ولم يكن لديه الكثير من الأشياء سوى عمله عند ذلك الإقطاعي الذي شعر بأنه رجل يستحق أن يزوجه من ابنته البكر قبل أن يفوتها سن الزواج، وهكذا تزوجت الأخت الثانية من جدي،
لا أستطيع أن أفهم ذلك الإقطاعي الذي زوج ابنته الصغرى لصديقه الذي يكبرها بأربعين عام وزوج أبنته الكبرى لمزارع يعمل عنده، هل كانت البنت تشكل مشكلة إلى ذلك الحد في ذلك الزمن، هل كان الزواج بالنسبة إليه هو الخلاص أم كان واجب عليه أن يؤديه وينتهي الموضوع،
هل كان جدي الأكبر هو بداية المشكلة؟ لا يمكن لي أن أحاكم رجل مات قبل سنين كثيرة، الأموات لايحاكمون، ولو قررنا أن نحاكمهم ليس علينا النظر إلى القضية من وجهة نظرنا المعاصرة، الأمور تتغير بمرور الزمن، الأخطاء في الماضي لايمكن محاسبتها في المستقبل، الكل كان يقول أن جدي الأكبر كان رجلا فاضلاً، كان يملك من الثروة الكثير وكان كريماً وقد تبرع بالكثير من أمواله للثوار ضد الاحتلال الفرنسي، كان رجلاً كل من عرفه وصفه بالحكمة وسعة الإدراك، فكيف لي أن أحاكمه وأنا الذي لم أفكر يوماً بالتبرع حتى لأطفال الميتم، كيف لي أن أحاكمه وأنا الشخص المنسي خلف جدران وحدتي، كيف لي أن أحاكم شخصاً كان أبناءه شوكة في فم المحتل ومن بعد الاستقلال قادوا نضالاً من اجل وحدة الوطن وحريته، هل أخطأ حين زوج ابنتيه بتلك الطريقة؟ سؤال لن يجد له جواب الآن، الخطأ والصواب قضية غير ثابتة ومتغيرة بتغير الزمن،
أشعر بحاجتي للضحك الآن، لأني وصلت إلى أن هناك احد آخر مسئول عن كل تلك المشاكل التي أعاني منها في حياتي أليست هذه الثقافة التي تربينا عليها، إلقاء اللوم على الآخرين، وخاصة التاريخ لأنه يحمل كل الحلول لنا، أليس الاستعمار العثماني هو سبب تخلف وجهل الأمة العربية، أليس الاحتلال الأوروبي هو سبب الأمية والانقسام والفقر الذي يعاني منه الوطن العربي الآن، ما أسهل أن نرمي مشاكلنا على التاريخ، الحضارة الإسلامية قضى عليها المغول، وحضارة الأندلس دمرها الأسبان، النهضة العربية وأدها الأوربيون وسايكس بيكو، كل الأشياء الجيدة تم إبادتها من قبل الآخرين!!! ولم يتركوا لنا سوى خيبة الأمل نجرها ورائنا،
هنا تبدأ مشكلتي، أنا أبن هذه البلاد التي تغنى شعرائها قبل ألاف السنين بالحب ولكن لم يكن للحب في ديارهم يومأ مكاناً، نحن نغني للحياة ولكن لانعيشها، نتغنى بالحرية ونسكت صوتها، نتغنى بالحب ونوأد البنات، نحن مجتمع التناقضات الجارحة حتى الصميم،
في بداية المراهقة كان الحب هو أخر مايشغلني في الحياة، وهذا شيء أخر يجعلني أضحك بصوت عالي الأن فكيف اسميها مراهقة إن خلت من ذلك الشعور، يقال أن الحب هو سيد فترة المراهقة، والحب الأول هو صاحب أثر كبير على شخصية الإنسان لبقية حياته، لكني لا أذكر الحب الأول لي من كان، هل هو لواحدة من بنات الجيران اللواتي كن أول معرفتي بالجنس الأخر، او لزوجات جيراننا الصغيرات في السن، أم لتلك المطلقة في حينا التي كانت تدور حولها قصص تجعل كل مراهق يفكر فيها ليل نهار، الحب الأول!!!
أين أجد الحب في ذاكرتي؟ هو ليس موجوداً، أو لنقل أنه لم يوجد في تلك الفترة، فترة المراهقة كانت مجرد قصص أرويها لأصدقائي لأشعل فيهم الرغبة والشوق لسماع مغامراتي التي كنت أتخيلها أو أستوحيها مما أقرأه ، فالقراءة وسعة الإطلاع كانت صفة ميزتني عنهم، كنت في تلك الأيام اجمع كل ما أملكه من أموال واضعها في علبة صغيرة حتى تصبح مبلغاً كافياً لشراء قصة أو كتاب أقرأه وكان كل كتاب أقرأه يزيد من مخيلتي التي تتغذى على تلك القصص، كان أصدقائي يلجئون لي لحل مشاكلهم العاطفية، كنت أملك أراء موثقة بالنسبة لهم، كنت دوماً أستشهد بقصص قرأتها وأبطالها وكيف تصرفوا، ولم يكن أصدقائي يثقون برأيي لمجرد أن الشعر الأبيض بدأ يظهر على رأسي وأنا في تلك السن الصغيرة ولكن لأن ما كنت اقوله يجدي نفعا مع الكثير من الحالات، لم تكن مشاكلهم معقدة بالطبع، المراهق شخص يسهل قيادته لو عرفت كيف تتحكم به، يمكن لك ان تجعل منه ملاكا كما يكمن ان تجعل منه قاتلاً مأجوراً لو أردت.
إذاً القصص عن الحب هي كل ما املكه عن تلك الفترة في ذاكرتي لم يكن للتجربة مكان فيها، لا أعتقد بأني كنت سأجرؤ على ان أعشق فتاة يمكن لأحد أفراد عائلتها أن يشرحني بالسكين لو علم بالأمر، كنت جباناً من هذه الناحية، او لعلي كنت اعرف أن لاطائل من الحب لو كان سيبقى مخفياً ولم أصرح به، كنت على يقين في ذلك الزمن ان الحب يبدأ في اللحظة التي تصرح به، وأن الحب لايتعايش مع الخوف، الخوف يقتل الحب قبل أن يولد، كنت رافضاً للحب لو لم يكن ساطعاً كعين الشمس في منتصف الحياة، الحب في الليل يجعلني اشعر بأني أقترف جريمة بشعة، كان تفكيري أكبر من مراهقتي، كنت عقلانياً لدرجة قاتلة، وهكذا كانت مراهقتي التي عشتها بدون حب رغم كل رغبتي في أن اكتشف ذلك الشعور الإلهي.
كنت أعتقد أن الجامعة ستحمل حل لمشكلتي مع الحب، الجامعة مكان يمتلئ بالناضجين أو هكذا كنت اعتقد، كنت أجهز نفسي لتلك المرحلة وانا كل يوم احلم بفتاة سألتقيها بالجامعة واحبها كثيراً، حلم الحب كان مرتبط بالجامعة لدرجة اكاد اعتبرها غبية جداً الأن، لكن مالذي بيدي ان افعله غير ذلك الحلم، لم يكن هناك مكان أخر أحلم به مرتبط بالحب مثل تلك الهالة التي كنا نرسمها للجامعة، الجامعة شكلت اكبر مكان عانيت معه من قوانين الطوائف، و هنا يموت الحب، كل ما أختبرته وقرأت عنه لايعادل لحظة من تجربة يقتلها قانون الطوائف في مجتمع طائفي كمجتمعنا، صدقوني الصدمة في الجامعة كانت اكبر مما احتمل، كل الناس من حولي كانوا جماعات، وكل جماعة تربطهم ببعض طائفة ما، لكي تحب عليك أن تحب من طائفتك، ولكن ياعالم ياناس هل يفهم الحب قانون الطوائف، كيف تختار فتاة ومن ثم تحبها، او كيف تقنع الحب ان لايحب سوى فتاة من طائفتك!! ضياع مابعده ضياع، هذا عنوان تلك الفترة من حياتي، الدراسة كانت المخرج الوحيد لي من تلك القضية، تحولت إلى الدراسة لأملئ الفراغ الذي بدأ يكبر في داخلي، لكني اكتشفت أن الدراسة تملئ الوقت ولكنها لاتملئ الفراغ العاطفي، ولكن صدفة ما جعلت من كل شي يتغير في تلك المرحلة، او لنقل لم تكن صدفة بل نتيجة لتعب وجهد كبيرين في الدراسة جعل من اسمي مشهوراً بين الطلاب، نعم انا كنت من الأوائل في النتائج، كانت نتائج امتحاناتي تعلن عني وتجعل من اسمي معروفاً، وبدأت تتشكل من حولي حلقة من الأصدقاء الذي بادلتهم صداقتي، ولكن العجيب انه كان معظم الأصدقاء من الفتيات التي كان يموت الشباب مقابل الحصول على نظرة منهن ولكن لم يكن هناك من استطيع أن أصفه بأنه حاز على إعجابي لدرجة الحب، لا أعرف مالسر الذي كان يجعلني صديقاً مقرباً من الفتيات في الجامعة، الكثير من الشباب كان يتهامسون بـأنهم يستغلوني في مساعدتهم في الدراسة لكن في هذا الكلام ظلم كبير لهن، كان من بينهن أصدقاء بكل معنى الكلمة، أصدقاء استمرت صداقتهم لما بعد الجامعة وقد وقفن جانبي في مواقف كثير أثبتت أن علاقتنا كانت حقيقة وليس مبنية على مصلحة مؤقتة، مرت سنوات الجامعة أسرع مما كنت أتوقع، لكن بدون حب، الحب هو شيء حرمت منه في تلك الفترة أيضا،
أشعر بأني أتكلم عن الحب وابتعد عن موضوع الجنس في تلك الفكرة، ربما لأننا في مجتمع نمارس فيه الدعارة ونحرم فيه الحب، نعم لسوء الحظ أننا مجتمع رغم شعار الطهارة والعفة الذي يحمله فأنه يحرم الحب ويحلل كل ماهو مخفي، مجتمع شعاره "كل شي بالمخفي حلال"، هكذا يستطيع أن يحصل من يود في هذا المجتمع على الجنس كما يحلو له، لكن على أن يبقي على ذلك الأمر سراً، الشباب في مجتمعنا يتباهون بمغامراتهم الجنسية ولكنهم يخجلون من الحب، الرجال لايعشقون لكنهم يمارسون الجنس، لا أدري لم يخجل رجل من قول كلمة احب فلانة، حتى انه يخجل لو سألوه هل يحب زوجته، نعم يخجل من قول كلمة أحب


.......يتبــع ......!!!!!




6 comments:

  1. آااه كم جميلة روحك

    تشكلت روحك من الورد
    وأزانت الحكمة عقلك بهاءً

    لا أدري إن كان هذا غزلاً أم ماذا

    بدأت قراءة الجزء السادس قبل ساعات
    ثم استسلمت للنوم وصحوت لأكمل القراءة

    ربما القراءة في الفجر لها تأثير مختلف

    هذه المرة لا تعليق لدي كالسابق
    لأن هذا الجزء يحكي عن نشأتك
    وما أحلاها من نشأة

    لن أتغزل خلاص
    ههههههههههه

    ReplyDelete
  2. هلا بيور

    وجودك الدائم هو الوردة التي تطغى على المكان

    شكرا لكل ماقلتي اشعرتني بالخجل
    :)

    ReplyDelete
  3. جعلتني أبتسم فورًا لشعورك بالخجل
    ههههههههه
    وأنت أدرى بالسبب

    ReplyDelete
  4. سانتظر النهاية كي اعرف لماذا بدات ,,
    يبدو انك تعلم ما انت عليه فلست بحاجة لبحث ما لكن
    ما الذي يدفعك؟ هل ترى حقا ان بهذا ستصل لما تريد؟
    هل تريد ان تصل لشئ ما؟ او هل تنتظر شيئا ما؟
    بما انها كتابة ببث مباشر يتسنى لنا ان نسال عن تلك الدوافع اما عن تفاصيل الرواية فهي واقع حدث لا تعليق عليهن حتى الان
    اما لافكارك وذاتك المطروحه فلربما بالمرات المقبله ساتطرق اليها
    :)

    ReplyDelete
  5. Blue
    أنا أسرد ماحدث، في محاولة لأكتشاف مالم يكن واضحاً، .
    ماهو الغير واضح؟
    لا أعرف لأنه لو كان واضحاً لم بحثت عنه
    كما تقولين بما ان البث مباشر سنرى مايمكن حدوثه

    تحياتي ومودتي

    ReplyDelete
  6. ما قصدته هو البحث الداخلي, فلا اظن انك بحاجة لاكتشاف ذاتك وانما ما تبحث عنه او تريد ان تفهمه هو ما حصل معك,, لذا ذكرت اني سانتظر النهاية حتى اعرف لماذا بدات

    ReplyDelete