Sunday, April 19, 2009

11-شمس وكواكب


"وأن النبيل يفترش الأرض،ويلتحف السماء في موطن الآباء والأجداد
ولا يقبل بديلا عنه، قصرا في المنفى، وجنة في ديار الاغتراب".

عبد الرحمن الشهبندر،


يقال ان في حياة كل انسان هناك قصة واحدة فقط يعيشها ويمكن له ان يرويها فيما بقي له من حياته، وان كل القصص الاخرى في حياته تدور حول تلك القصة او تكون جزء تابع اومكمل لها، ولو بحثت في الناس الذين من حولك لوجدت عدد قليل جداً منهم يشذ عن هذه القاعدة واستطاع ان يصنع لنفسه مسارات متعددة في الحياة، ولن يكون من السهل فهم الطريقة التي يقدر فها انسان ما على ان يغير مسار حياته بشكل جذري ويبدأ حياة جديدة أو كما أسميها أنا "قصته الجديدة"، ولا اخفيكم انني توصلت في قرارة نفسي يوما أنه ولكي تبدأ من جديد عليك ان تدمر ماكان وحدث في الماضي، ابدأ بتحطيم الماضي وسيكون المستقبل مختلف عن كل ماكان، وعلى مايبدو ان عدد قليل جدا من البشر يجرأ على ان يتخذ خطوة ثورية مثل تلك، ورغم ندرتهم لكني بذلت جهداً دائماً في محاولة أكتشاف هؤلاء الناس الثوريين أو لنسميهم التدميريين وتمييزيهم عن هؤلاء الناس الذين يريدون العيش في المساحة المتاحة لهم من حياة رتيبة ملئها الهدوء والأنتظار، وقد سعيت دوما إلى التعرف على هؤلاءالأنقلابين في حياتهم والتقرب منهم حتى اصبحت قادراً أن أقول "أليست هذه هي قصة حياتي"، نعم يبدو انني في حياتي كنت أعيش تلك الحالة من الانجذاب إلى هؤلاء الناس لدرجة أفقد التركيز على مساري الخاص واكون فيها عاجزاً ان اتخذ اي قرار خاص بي، كنت اتحول إلى كويكب صغير يتحرك بتأثير الجاذبية الناتج عن سرعة حركتهم، واتبعهم دون حتى ان اعرف إلى اين يأخذونني، ورنا كانت منهم وقد أصبحت هي الشمس المضيئة بالنسبة لي في تلك الايام، وكنت مثل الكوكب في مجرتها، اتحرك وفق لحركتها، اشعر بالبرد لو بعدت عني واشعر بالدفء كلما اقتربت منها، لم اكن اميز هل انا اتحرك في ذلك المسار وفق لرغبتي أو رغماً عني، بالنهاية لم يكن يهمني كثيرا السبب، كنت اشعر بالسعادة وكنت اعرف ان ذلك كل ما اريد، 

مضى اسبوعان على وجود رنا في دمشق ولا يسعني الان ان اتذكر كل التفاصيل التي عبرنا بها، او يمكنني القول انه تخونني ذاكرتي بشكل ما في تذكر تلك التفاصيل، وكأن دماغي قام بمحاولة لمحي معالم تلك الايام وتلك الذكريات، ولكني اقدر ان اذكر لكم انها غادرت الفندق في اخر يوم لها بدمشق حتى دون ان تسمح لي بتوصيلها إلى المطار، أعرف انكم تقفون عند كلمة "الفندق" ما الذي اخذها إلى الفندق، انها قصة طويلة وسأحاول أن أقص عليكم كل ما استطيع منها،

لا تختلف الايام الأولى لوجودها في دمشق عن بعضها، فكل الوقت كنا نمضيه بين المطاعم وفي الشوارع وفي امكنة مشابهة، لم تكن دمشق تثير اي اهتمام لديها وربما كنت عاجزا عن ان اثير لديها اي رغبة في رؤية معالم تلك المدينة، أو ربما كنت انانيا بتصرفي ولم اكن افكر في شيء سوى ان اكون معها، وقد كانت تدخن بكثرة وتشرب القهوة طوال الوقت ويبدو ان هذا الطقس من التدخين والقهوة اجبرنا على ان ندخل إلى المطاعم أوالكافتيريات ولانخرج منها، الشيء الوحيد الذي كان يثير اهتمامها كلما دخلنا احد تلك المحلات كان قائمة الطعام الخاصة بالمحل، لم تكن قائمة الطعام الشرقي او الطعام نفسه مايثيرها، ولكنها لم تكن تستيطع ان تتجاوز الاخطاء القاتلة!!! في ترجمة القائمة إلى اللغة الانكليزية وهو امر كنت اعتقده مضحكاً بالنسبة لي، ولكنه شكل لها مشكلة في تفهم كيف يفكر اصحاب المطاعم، حاولت كثيرا ان اشرح لها ان الموضوع ابسط مما تتخيل، ولكن تبسيطي لتلك القضية جعل من غضبها يزداد، ومع الوقت اكتشفت ان في داخلها توتر اكبر من مشكلة قائمة الطعام وتسمياتها، وبدأت أحاول ان افهم الذي يدور في رأسها، 

في اليوم الرابع على ما اذكر دخلنا إلى احدى المطاعم لتناول الغداء ولم نخرج حتى الفجر تقريبا، كانت اشعر بالخدر يلف بجسمي من طول المدة التي جلسنا فيها خلف تلك الطاولة التي جمعتنا لساعات طويلة، كانت تبدو هادئة جدا ولم تشرب الكثير من السجائر يومها، حدثتني كثيرا عن المستقبل وعن الاشياء التي تريد ان تفعلها، كنت استمع دون ان اناقش ولكني كنت انتظر منها ان توضح لي اين انا في ذلك المستقبل، لكن شيئا مما كنت انتظره لم يحدث بل ماحدث انها اخبرتني انها اتصلت بمانوئيل وطلبت منه أن يلحق بها إلى دمشق وانها ستغادر منزلي إلى الفندق قبل قدومه ، كنت استمع إليها وانا أتخيل نفسي في غرفة العمليات وان هناك من يحقنني بمخدر موضعي، يخدر اجزائي ولكني قادر على رؤيتهم وهم يقومون بتقطيع احشائي بمقصات وبمباضع جراحية ليصلوا إلى قلبي المتوقف عن الحركة، كنت مخدراً لدرجة أعجز فيها عن الشعور بالألم او أقدر على الصراخ، ولكني كنت مثل اي مريض يدخل غرفة العمليات لإجراء عملية قلب مفتوح يطلب من الله ان يخرجه سالما من غرفة العمليات واعداً إياه انه بمجرد خروجه سيغير كل عاداته السيئة وانه سيتجنب كل مايسيء لصحته وعافيته، ولا أخفيكم ان كل تلك الوعود عادة تذهب ادراج الرياح بعد الخروج من المشفى، 

رجعنا إلى منزلي مع بزوغ الفجر بدون اي كلام، كان صمتاً وفراغ كبير لدرجة يعزل كل منا في عالمه، كانت شاردة الذهن وانا كنت غارق في افكاري التائهة أفكر بكل ما قالته من كلام محاولاً فهمه، قالت انها لاترى نفسها في مكان خارج استراليا، وانها لاترى اي مستقبل لأبنتها لايكون فيه والديها، وانها غير قادرة على اتخاذ أي قرار بخصوصي بعد ان فشلت بملئ الفراغ الذي خلفه ابتعادي عنها، في النهاية قررت ان تطلب من مانوئيل القدوم لنجتمع ثلاثتنا وترى مالذي ستفعله، لم تكن تفكر فيما اريده انا او مانوئيل لم يكن ذلك في مخططاتها، كل ماكانت تفكر به هو الشيء الذي تريده هي، كانت هذه هي الفكرة التي جعلتني اصحى من خدري ويصحى معه كل الألم الذي بدأ يصرخ بداخلي ولكني كتمته من جديد على أمل أن اجد لي مخرجا من الحالة التي وصلت إليها، 

لم انم سوى بضع ساعات، استيقظت بعدها لأجدها قد حزمت حقائبها وجسلت تشرب القهوة وتنشر دخان سجائرها حولها، قالت انها تريد فندق في وسط البلد لكي يسهل عليها الحركة والتنقل دون اللجوء إلى المواصلات العامة التي لم تسر منها كثيراً، فأخترت لها فندق سميراميس الواقع مقابل جسر فكتوريا، وقد فاجئها بكسوته الخارجية وبلون السيراميك القرمزي الذي يغلف جدرانه من الخارج كحمام كبير في الهواء الطلق، انتظرتها في بهو الفندق حتى استملت غرفتها وغيرت ملابسها وخرجنا لنتناول الغداء، لم يكن هناك الكثير من الاحاديث فقد كنت تحت تأثير الصدمة من الليلة الماضية، وقد بدا انها تحاول كسر الجمود الذي فرض نفسه، واخذت تحدثني عن الايام التي قضيناها في استراليا وكيف لم نكن نمل من الحديث في شتى المواضيع ولم يكن يمر لحظة دون ان يكون هناك حديث مشترك او ضحكة مشتركة وانهت عبارتها بأنها تود ان تسمعني اتحدث،
فسألتها "عن اي شيء تريدينني ان اتحدث،"
اجابت " اختر انت الموضوع، لايهم، اشتقت لحديثك!!"
لم يكن في رأسي الكثير من الاشياء لأرويها، ولكن صورة اللافتة الكبيرة للنادي العربي التي رأيتها ونحن نغادر الفندق لاتزال عالقة في رأسي، فسألتها لو كانت قد شاهدت تلك اللافتة البائسة أو انتبهت لها، ولكنها نفت ذلك، قلت لها انه لابد ستراها،
فسألتني "وماقصة ذلك النادي؟"
"لا، لا، لاشيء مهم، لكنه نادي عريق يهتم بالثقافة، ولكن الغريب انه في ماسبق كان رواده من المثقفين هم نفس الاشخاص الذين شاركو في الحرب ضد المستعمرين، وقادو حركات التحرر وشاركو في الثورة السورية، غريب امر الثقافة والمثقفين في ايامنا هذه، لقد اصبحت حالهم مثل الحالة البائسة التي وصل لها هذا النادي،!!!"
"تبدو وكأنك تحدث نفسك!!" قالت وكأنها تريد مني ان اشرح لها عما يجول في خاطري،
لم اعرف كيف اشرح لها ماكان يدور في رأسي من افكار، فقلت لها، خذي مثلا احد اشهر من ألقى الخطب في هذا النادي على مدار سنين، واسمه عبد الرحمن الشهبندر، فهو طبيب تتمحور حياته حول ثلاثة محاور، محاربة الاحتلال والعلم والثقافة، فهو طبيب، حارب ضد العثمانيين ومن بعدهم شارك في الثورة السورية الكبرى وبكل حركات التحرر ضد الاستعمار الفرنسي كما شارك في الثورات في فلسطين، وحكم عليه بالاعدام عدة مرات، ولكنه لم يتخلى عن موقعه كثائر وطبيب ومثقف، ورغم اختلاف الكثيرين معه بذلك الزمان لكنه كان ملتزما بما يحمل من علم وثقافة، وفي النهاية عاد إلى دمشق موطنه الاصلي ليمارس الطب في خدمة اهل تلك المدينة،
"وماذا حصل بعد ذلك ؟" سألتني كمن تنتظر العبرة من كلامي هذا،
"لاشيء، فقد تم اغتياله في بداية الاربعينيات من القرن الماضي"
"أغتالوه!!!" سألت مندهشة،

نعم، في البداية قالو ان الحركة الوطنية اغتالته، وبعد ذلك بفترة القو القبض على جماعة متطرفة اعترفوا انهم اغتالوه لأنه تطاول على الدين الاسلامي في احدى خطبه، فأعدموهم،
لم اكد انهي عبارتي حتى صرخت بي هذه المرة : "هكذا بكل بساطة!!!، اغتالوا هذا الرجل وكل تاريخه!!! لهذا السبب!!!""

قلت لها نعم، بكل تلك البساطة القاتلة.

يتبع.....


3 comments:

  1. جد سعيدة بعودتك للتدوين

    ما سردته في بداية التدوينة هي مشكلتي تماما
    محاطة عباقرة و عوالم وصلت لما تريد
    كيف.. ما بعرف
    وانا مو قادرة اتقدم قيد أنملة بحياتي

    ReplyDelete
  2. في البداية,,, كل عام وانت بخير
    وجود حياة اخرى و نسف الماضي لا يوعد دائما حياة جميلة و مريحة

    ReplyDelete
  3. أمنية،
    لا اريد ان اعطيك نصائح فأنتي توزعين نصائح على بلد كمايقولون، أو ربما أنا عاجز عن تقديم النصيحة لنفسي فكيف اقدمها للأخرين، بكل الاحوال انا اسرد قصتي باحثا عن اجابات لي ولربما تجدين مايجيب عن اسئلتك لو كان الحظ حليفنا


    شكرا لك انجا وانت بخير ايضا
    نعم، ربما لايوعد بحياة جميلة ومريحة، ولكني اتحدث عن هؤلاء الناس الذين ليست الراحة في الحياة او مقدرا جمالها هو مايسعون إليه، إن هناك مايقض مضاجعهم ويجعلهم غير قادرين على النوم حتى أنهم لايدركون إلى اين يريدون الذهاب او أين ستقودهم الحياة لكنهم مدركون تماما أنهم غير راضيين عن ماهم عليه..

    ReplyDelete