-2-
أفكار مشتتة
اتجهت للفندق الذي قد حجزت به مسبقاً، ولم يكن عندي رغبة بشيء سوى الاستلقاء على السرير والاستغراق بنوم يريحني من طول الرحلة، لكن لم يحصل ما أردته،
تقلبت في سريري منهكا من التعب والأرق، مرت الساعات وأنا أتقلب، كنت عاجزا تماماُ عن الحصول على لحظة نوم تمنع رأسي عن التفكير، كل مادار في رأسي هو رنا!!، رنا!!!! أي حلم كانت تلك الفتاة،
لم أستطع النوم وبدا لي أن كلاماً كثيراً لم أقله على متن الطائرة ولكني لا أعرف لما لم أفعل وقتها وقد بدأ يسيطر كل ذلك على تفكيري ولم أعرف كيف أتخلص من ثقل ذلك الإحساس ، تساءلت كثيراً هل ترأفت بحالة الأب حينها، أحسست بالذنب لأن شعوراً تملكني بالشفقة عليه فأنا لا أحب ذلك الشعور، يخنقني أن أشفق على أحد،
ليتني أخبرته وقتها بأني لا أريد أن أشفق عليه ليتني قلت له: أسمع أيها الأب، لن أمنحك شفقتي، فأنا ماعدت أشفق على أحد، تريد أن تكسب رأياً بأنه من حقك على أبنتك أن تسامحك، أنت تطلب السماح حتى قبل أن تعرض القضية، هل تعتقد أن القضية معروفة، نعم، يبدو أن القضية أصبحت معروفة، وهي تكرار لقضية تكررت يوماً بعد أخر.
نعم، أسمعني الآن، تبدأ القصة من كوننا نحن الدروز، ولا تستغرب أني أخيراً أقر لك بأنني من بني طائفتك وسأزيد على ذلك بأني من قريتك النائية تلك، نحن لا نختلف ياسيدي عن أي طائفة أخرى في أننا حبسنا أنفسنا في قمقم صغير، ضانين بأن كل من يُحبس في ذلك القمقم هو مارد ضخم، نعم، نحن لسنا مارد جبار ياسيدي، نحن أناس أردنا الاختباء، فاخترنا السكن هناك في أعالي الجبال في مناطق لايستطيع أن يصلها أعدائنا، لقد كان قرارنا أن نختبئ ولا تلومني على كلامي هذا، قد نكون تعرضنا للكثير من الظلم وللكثير من الملاحقات والمجازر عبر التاريخ، لكن قبل أن نعلن انتصاراتنا على الملأ، دعنا نعترف بهزيمتنا أمام نفسنا أولاً، هزيمتنا بدأت حين بدأنا نعتبر أنفسنا ضحية للغير، لعبنا دور الضحية بامتياز ياجاري، أتريد أن تعرف إلى أين أريد أن أصل بكلامي هذا، فلتطل صبرك قليلاً، فأنا سأخبرك، سأخبرك بأننا حين أتطلقنا للاختباء انقسمنا إلى جماعات وكل جماعة اختارت لنفسها مكان أمن افتخرت به على الآخرين لأنها أحسنت الاختيار، لا تقل لي أن هذا غير صحيح، لاتقل لي أن من سكن أعالي جبال لبنان من الدروز لا يعطي لنفسه الحق بالتعالي عمن سكن أعالي جبل العرب في سوريا، ولاتقل لي أن الدرزي في لبنان لا يظن نفسه أفضل من الدروز الذين سكنوا أرض فلسطين، لاتقل لي أن الدرزي في جبل العرب لا يظن نفسه أكثر وطنية من دروز لبنان، رغم أنه يعجز حتى عن تعريف كلمة وطن، لاتقل لي إن من يضع الطائفة في رأس أولوياته هو إنسان يملك وطن، الوطن والطائفة ياصديقي لا يجتمعان، فأما أنت وطني أو أنت طائفي، أما أن تكون وطني طائفي فهي ليست في القاموس، أعرف أنك تستغرب كلامي هذا، لكن لا عليك سأصل بك لما أريد أن أخبرك به، سأقول لك بقية القصة، فأنت ليست مشكلتك الدروز في سوريا أو لبنان وفلسطين، أنت مشكلتك تكمن مع نفسك، أنت من عرفت أن الأراضي التي سكنها الدروز أراضي وإن كانت تحميهم من أعدائهم لكنها لم تكن كافية لتؤمن لهم سبل العيش، لقد أخطأ الدروز ياصديقي عندما اختاروا عامل الأمن أولا في اختيارهم، لم يكن هناك من يخبرهم أن الأمن شرط أساسي للبقاء، لكن هناك شروط وشروط أخرى لابد من توفرها للحياة، نعم ياسيدي أنت اكتشفت أن سبل العيش ليست متوفرة فقررت السفر لما خلف البحار، لا تخف، فأنا لا ألومك على الهجرة، فلم تكن لوحدك، فلابد أنك تعلم أن من هاجر من الدروز يزيد على من يسكن موطنه الأصلي، ولو عدنا بالتاريخ قليلاُ، لعرفنا أن الدروز أصلاً جماعة هاجرت من شمال أفريقا إلى الشرق الأوسط، أو كما يقال هاجرت مثل كل القبائل العربية من اليمن، لن أتوقف عند أصولها فلا أحد يستطيع الجزم به، لكن ما لا يقدر أحد على أن يخالفه بأنها جماعة هاجرت من مكان ما، وأنت ياصديقي مع الكثيرين أكملت مسيرة الهجرة تلك، أنا لا ألومك على الهجرة، لكن أبنتك تلومك على شيء ما، أنا لا أعرف حتى الآن ماهو، لكني سأسرد عليك تتابع الأحداث وبالتأكيد سأصل للجواب،
سأبدأ بقضية الانتماء، نعم ياسيدي، أن تنتمي لطائفة ما، فهذا شي طبيعي بالنظر لطبيعة موطنك والمنطقة وتاريخها الموغل في التكتلات والتحالفات والنزاعات المختلفة، وأن تفتخر بتلك الطائفة فهو أيضا شي طبيعي لأنه جزء من حرب تخوضها مع الغير وأنت مستعد لفعل كل شي من أجل كسب تلك الحرب، لأنها حرب يا غالب يا مغلوب، لكنك لحظة قررت الهجرة ياسيدي بدأت مشكلتك مع نفسك، فأنت أردت الهجرة لكنك حملت طائفتك معك، لم ترد أن تترك القبيلة ورائك، تلك هي لحظة فارقة في حياتك ستقودك لما أنت عليه الآن،
أستطيع أن أراك الآن وأنت تحمل أبنتك الطفلة وتصعد وزوجتك ممسكة بيدي طفليها الآخرين إلى الطائرة المغادرة مطار دمشق، الكثير من أهلك حضروا ليودعونك وكلهم يعلم أنهم ربما لن يروك ثانية، كنت تتحرك بالمطار بكثير من التردد ويدك تمسك بقوة على حقيبة جلدية صغيرة تحمل كل أوراق الهجرة وجوازات السفر وبعض الدولارات التي استطعت أن تستدينها من أقاربك على أمل أن تعيدها عندما تصل إلى بلاد الغربة، لو كنت تعد الوصايا التي حملوك إياها أهلك وكرروها عليك مرة بعد مرة، ربما كان العدد وصل المليون، كل من عرف بسفرك جاء ليودعك، كانت الوداعات هي كل مافعلته في الشهور الأخيرة قبل سفرك، أستطيع أن أرى دموعك لحظة انطلقت الطائرة، ابنتك الجالسة إلى جانبك تعجز عن فهم ماحصل لك، لا تفهم سبب كل تلك الدموع، لكن دموعها ستسقط أيضا، أنت تجعل ابنتك تبكي ولكنها لن تغضب منك، وسوف تسامحك على ذلك، حتى أنها طفلة لن تتذكر أنك سببت لها الدموع في ذلك اليوم، زوجتك صامتة طوال الوقت، تتجول بنظرها بينك وبين أطفالها الثلاثة، تمنع نفسها من البكاء، سيكون هناك أمامها الكثير من الأوقات لتبكي وحدها، نعم، لوكان هناك من ينظر في تاريخ الدروز لأستطاع أن يدرك أن البطل الخفي في هذا التاريخ هو المرأة ياسيدي، هناك خلف الرجل كانت دوماً لكنها وحدها من يستحق أوسمة التحمل والصبر والمعاناة والوقوف بعد كل مصيبة، نعم، سيكون هناك وقت كافي لها لتذرف دموعها ولكنها ستكون وحيدة عندها، ولن ترى دموعها كما رأت هي دموعك،
كانت رحلتك طويلة، ساعات وساعات، تنقلت في أكثر من مطار، لكن انتظر هذه الرحلة ستكون جد قصيرة مقارنة مع بقية رحلتك الطويلة، ستصل أخير إلى أستراليا، ستصل وأنت منهك تماماً، الأطفال نائمين وأمهم تحاول إيقاظهم لينزلوا من الطائرة، تطول الساعات في المطار حتى تنجز معاملات الهجرة، هنا، بدأت المشكلة ياسيدي، في تلك اللحظة التي تعلن فيها لموظف الهجرة أن هناك أصدقاء ينتظرونك خارجاً، حسناً، أنت لم تهاجر إلى أستراليا، لم تكن أستراليا بشكل ما هي هدفك، لقد كانت هجرتك إلى دروز أستراليا، هاهي هجرة أخرى تضيفها لتاريخ الهجرات الدرزية، وهاهي تجمعات درزية جديدة تتكون في مكان جديد، لكن مع خلاف وحيد، أنها تشكلت على مر الزمن وبشكل بطيء، وفرق أخر، أنها كانت هجرة لكسب العيش ولم يكن الأمن هو همها الأول، ويمكن وصفها بالهجرة الأكثر ذكاءً بشكل ما, لكن .. دوما سيكون هناك لكن!!!
توقف عن النظر إلي بتلك النظرة ياسيدي وكأني أقترف جريمة تشريحك وأنت حي، أنت تطلب الغفران وأنا لا أملكه، أنا أملك كلمة سأقولها وانصرف، ولكنك أنت ستبقى مع نفسك بعدها، جمعتنا الصدفة على متن هذه الطائرة، لربما لم نكن لنلتقي أبداُ، لكن طالما نحن هنا فلنكن صريحين بأني لم أختر أن أكون درزيا كما لم أختر أن أجلس جنبك هنا، لكنك أنت اخترت أن تهاجر لكن إلى مكان أخر ينتظرك فيه مجتمع درزي يقيم في ارض المهجر، لا أريد أن أقول أن هذا خطأك، فهو كما يبدو ليس خيارك أيضاً ولا يمكن لوم الناس على شيء لم يكن لهم الخيار فيه، حتى عملك بعدما وصلت أرض المهجر لم تختاره، فأنا قادر الآن أن أتخيلك واقفاً في ذلك المخزن الكبير ترزح تحت ثقل أوزان الصناديق الكبيرة التي تنقلها من مكان إلى أخر، تنتظر أن ينتهي نهار العمل الطويل، تقنع نفسك بأن الوقت يمر، ولكن أربعة عشرة ساعة من العمل اليومي لاتمر بسهولة ياصديقي، يمر بك أبن عمك الذي أمن لك هذا العمل ليطمئن عليك، فهو رئيس العمال في المخزن، تسأله كلما رأيته بأنه وعدك بتسليمك مهام أمين المستودع فأنت تحمل إجازة في الاقتصاد، فيرد عليك بأن تطيل صبرك، فأنت جديد في العمل ولابد أن تنتظر، كانت كلمة جديد تثير غضبك، كيف تكون جديد وهاقد مرت سنة كاملة على وجودك هنا، والدخل الذي تكسبه من عملك لايكفي ليسد رمقك ورمق عائلتك، ثم ماذا ستفعل بمن استدنت منهم الأموال للهجرة، أنهم يعتقدون أنك طنشتهم ولا تريد رد الدين لهم، أنهم يقولون في نفسهم أن من يسافر يصبح غنيا ينعم برغد الحياة وينسانا نحن الفقراء، نعم أنت جديد بالعمل ياسيدي وهاقد مرت سنة أخرى، وستمر ثلاث سنين، أبنتك الصغيرة لم تعد تراك إلا في ماندر، فأنت تخرج من منزلك قبل أن تصحو وتعود وهي نائمة، لكم فاجأك حين لاحظت أنها لم تعد تتحدث العربية أبدا وأنها ترد على أسئلتك باللغة الانكليزية، عندها نظرت إلى زوجتك ولمتها كيف أهملت ابنتها لدرجة أنها لم تعد تتكلم اللغة العربية، زوجتك، مالذي تفعله مع طفلة تعيش في مكان كل الناس تتحدث بالانكليزية، لماذا تعتقد أنها ستحافظ على لغتها الأم، مع من كانت ستتحدث بتلك اللغة، يومها صرخت بها كما لم تصرخ من قبل، ربما شعرت بأنك بدأت تخسر تلك الطفلة، كنت تريد أن تمنع تلك الخسارة، لكنك عاجز، صراخك هو تعبير عن عجزك، بكت يومها طفلتك الصغيرة، بكت لأنها لم تفهم لماذا تصرخ عليها، بكت كما لم تبكي من قبل ولكنها ستنسى ياسيدي انك أبكيتها فالأطفال ينسون بطبعهم، طفلتك نسيت ذلك لكنه كان يوم فاصل في حياتك ياسيدي، لقد شعرت بالخوف يومها ياسيدي، لقد شعرت بالخوف على وجودك، عادت درزيتك لتظهر على السطح، اليوم ابنتك نسيت لغتها، وغداُ سوف تنسى تقاليد الدروز، لم تنم ليلتها ياسيدي، الرعب هز كيانك، وتمنيت لو أنك تعيش في جبال نائية لايسكنها سوى الدروز، تريد عالماً خالي من البشر، فقط دروز، قد يتحقق ذلك لك لو كنت في سوريا أو لبنان وحتى فلسطين، لكن أنت اخترت الهجرة لأستراليا،
مرت السنين وها أنت صباحاً قبل أن تشرق الشمس انطلقت خارجاً إلى العمل، ولكنك للمرة الأولى تصحب ابنك البكر معك، فبعد أن فشل في دراسته وأصبحت تكاليف تعليمه عبث لا داعي له، فهو لم يستطع أن ينخرط في هذا المجتمع المتمدن، حتى لغته الانكليزية مليئة بالعبارات النابية التي اكتسبها من أصدقائه في الشارع، كان في الثانية عشرة عندما وصلت أرض المهجر، لم يكن سهلاً أن يعاد تطويعه ليصبح جزءاً من المجتمع الاسترالي أو ربما كنت تخشى أن يصبح جزءً منه فعملت جاهداً أن تضعه في بيئة مليئة بأقرانه الدروز، كنت تريده أن يربى على ما تربيت عليه، كانت الصدمة له أكبر من أن تفهمها، لقد نقلت صبياً في بدء سن المراهقة من مجتمع بدائي زراعي مغلق لتضعه في مكان مبني على الفردية المتمدنة، كل ما استطاع أن يفهمه أبنك انه في عالم حر، الحرية، لا أعرف لو كنت قادراً على وصف ماكان فهمه لكلمة الحرية، لكني أستطيع أن أصف لك أنه عاش حالة تخبط بين درزيته التي تصر أنت على أن تزرعها فيه وبين المدنية التي تنتشر حوله، واستطيع أن أصف لك كيف بدأ يزعج أخته بمفاهيمه الشرقية عن الحياة وترك لنفسه العنان متخذا من الحياة الغربية ملهما له،
صحيح أنك أصبحت مسئولاً عن المستودعات، وأن دخلك تحسن قليلاً لكن مصاريفك زادت بنفس الوقت، وكبر الأولاد وزادت أعبائهم، حسنا، سيساعدك ابنك البكر على تحمل المصاريف في المنزل، ولكن لاتنسى أنه بذلك أصبح جزءاً من السيادة في المنزل، ذلك شيئاً لم تعتده وليس موجود في مفاهيمك، في قريتك النائية كل الأفراد تعمل لكن وحده الأب يقرر، وحده يملك حق السيادة في المنزل، لكن انتظر قليلا ، أنت درزي صحيح ولكنك اخترت استراليا، أنت تخليت عن الأمن في تلك الجبال وسعيت وراء لقمة العيش، هنا سيكون من يهز عرشك، عرش الأب الأكليريكي، اليوم مساءاً، ستثور ثائرتك عندما تعلم أن أبنك البكر قد ضرب أخته لأنه رآها تسير مع شاب أسترالي في الطريق، لاتعلم سبب ثورتك، لاتعرف هل هو نتيجة لضربه أخته متجاوزاً سلطة الأب، أم لأنك عرفت أن ابنتك خرقت اكبر المحرمات لدى الدروز وبدأت تواعد شاباً من خارج الملة، لعلك غاضب من كل شيء، مالذي ستفعله، ستصرخ على ابنك وتهدده بأنك ستطرده من البيت لو أعاد الكرة، وتنظر إلى ابنتك وتهددها بأنك ستذبحها لو أنك سمعت بأنها تواعد أسترالياً، انظر إلى نفسك، أنت تهدد الذكر بالطرد خارج المنزل ولكنك تهدد الفتاة بالذبح، هل نسيت أنك تعيش في أستراليا، هل نسيت أن قوانينك الدرزية لاتنفع في هذا البلد،
يبدو أنك لم تنسى، ويبدو أنك مرعوب من الحالة التي وصلت إليها الأمور، ما الحل، سنزوجها بأسرع وقت، هذا هو القرار الذي أعلنته لزوجتك الصامتة كعادتها،
إما الزواج أو الذبح، أي مستقبل كان بانتظارك أيتها الطفلة المسكينة، كل أحلامك أخذة في التلاشي، لاحلم مع الطوائف، أنت عار العائلة التي تحمله معها أينما سارت، اقدر حلمك القديم بأن تصبحي معلمة، لا أدري سر شغفك بالتعليم، فكل من يعرفك كان يعرف انك تودين التعلم لتصبحي معلمة، كانت لديك موهبة في التعلم بسرعة، وكنت تسبقين أقرانك، وكان أخويك يغاران منك، فقد عجزا كليهما من فك أحرف أسماء الكتب التي كنت تملئين بها خزانتك، لكن لابأس كنت تعرفين أن قانون العائلة لن يدوم طويلاً، كنت قد تعلمت انك في بلد حر وتعلمت ماذا تعني الحرية، لكن يسوؤني أن اعترف لك يا صغيرتي انك لن تنجي بفعلتك تلك فالعائلة لن تتوانى عن تحطيم أشرعتك، وسيسعون بكل ما أوتوا من بربرية أن يعيدونك إلى رشدك، وإلى حظيرة العائلة، فهاهو أبيك يرسل في طلب المنقذ من القرية، ساعدونا، انجدونا، يصرخ في أهله، أرسلوا لنا شابا ليتزوج ابنتي وينقذها من عذاب جهنم، وكيف لا تهب القبيلة لنجدة ابنها البار، كل المراسم تمت، الزواج تم، حتى قبل أن تعرفي من هو الشاب، ما هو اسمه، لكن لاعليك، فهو ابن جلدتك وطائفتك، شاب ابن عالم وناس وكأن بقية شعوب العالم ليست أولاد عالم وناس، انه شاب يحترم المرأة ويعرف أن لها حقوقا وعليها واجبات لكن بمفهومنا الدرزي وكأن كل المفاهيم الأخرى تظلم المرأة وتسحقها، لكن لا تحزني كثيراً فهو متعلم، فقد أنجز سنته الثانية في كلية الأدب الانكليزي، حسنا على الأقل يجيد نطق بعض الكلمات الانكليزية، لا ادري لم لا ترين الجانب المشرق من الموضوع،هل نسيت كلمات أبوك التي كان يرددها على مسمعك منذ الصغر وكأنه يعرف أنه يوما مثل هذا اليوم سينفعه ذلك الكلام هل نسيت حكمته التي كان يرددها "زبال درزي ولا ملك من برا"، نعم لقد حقق مقولته ولن تنفعك كل محاولاتك في منع العائلة من الاستمرار في هذا الزواج، لم يبقى أمامك سوى خيار واحد، الموت، الموت أو الزواج، لكن إرادة الحياة لديك ترفض خيار الموت، تقولين لنفسك سأقبل بالزواج فهو انتقال من سلطة الأب والأخوة إلى سلطة الزوج، نعم سيكون من الأسهل عليك التعامل مع الزوج وحده من أن تتعاملين مع عشيرة،
الكل كان سعيداً بهذا الزواج، المجتمع الدرزي في المهجر يهنئ بالزواج المبارك ويدعوا لكم بالسعادة، وحدك ياصغيرتي لم تشعري بطعم السعادة، لكن لاعليك سيأتي يوم يطلب فيه والدك الغفران والصفح منك ولكنك لن تعطيه مايريد، سأكون أنا شاهداً على ذلك اليوم، هذا وعد مني،
لاتنتظر مني ياسيدي أن أروي لك تفاصيل اللحظات التي تلت العرس، أو أيام الزواج الأولى، ولا أريد أن أروي لك ياسيدي تفاصيل حياة أبنتك مع ذلك الشاب الذي زوجتها منه، لأنك في قرارة نفسك كنت تعرف المرارة والأذى الذي سببته لها، صحيح أنها كانت دائمة الابتسامة ، لكنها ابتسامة لتخفي ألمها بها، صدقني ياسيدي لن تصفح عنك،
تمر الأيام من حولك ياصغيرتي وتحملين بطفلتك ميرا، تتوقفين عن الذهاب للجامعة لفترة قصيرة لكنك سرعان ما تعودين إلى الدراسة كان حلمك أقوى من كل الظروف، لم يكن هناك شيء يمنعك من الاستمرار في سعيك وراء حلمك، المشاكل بينك وبين زوجك لاتنتهي، لكن حربه ضد دراستك كانت شرسة وكان لابد لك من إن تتابعي ذهابك للجامعة ، تبدئين بالعمل لتغطية المصاريف، تختاري لنفسك عملاً بدوام جزئي في مجال التسويق، تساعدك أمك في تربية الطفلة، تشكرين الله على وجودها إلى جانبك،
تكتشفين صدفة أن زوجك يخونك مع امرأة أخرى، تشعرين بفرح بالغ، لأنها كانت رصاصة الرحمة على زواجكم، وتنتهي تلك الحقبة من حياتك إلى الأبد، تصبحين في عداد المطلقات و لك ابنة تربينها بمساعدة أمك،
مع الوقت تكتشفي لديك مواهب في التسويق وتكتشفين رغبة لديك لتزيدي من مهارتك في هذا المجال، تنهي دراستك الجامعية وتقررين التخلي عن حلمك في أن تصبحي معلمة، تبدئين بدراسة الماجستير بتخصص تسويق، يمر بعض الوقت قبل أن تفقدي حماستك تجاه التسويق، كل من حولك يستغرب هذا التخبط الذي أصابك، ليس هناك من يدرك أنهم سبب كل ذلك، صحيح أنهم أنقذوا شرف القبيلة كما يعتقدون، لكنهم صنعوا جيلاً مشوها، غير قادر على التأقلم مع الحياة، جيل مصاب بالانفصام بين كيانه كانسان وكيانه كدرزي، بين ألمه وبين من سبب له الألم، ويوماً بعد يوم أصبحت الفوضى تعم أرجاء حياتك، فتقرري البحث عن مخرج،وليس أفضل من بداية جديدة في مكان بعيد من مخرج لك، فتبدئي عن البحث عن تلك البداية، لكنك تكتشفين صدفة أعلاناً لمضيفات طيران، يسرك انك تحققين شروط الانتساب، تذهبين للمقابلة وأنت عازمة على أن تكوني من ضمن الناجحين، لاشك أن ابتسامتك في ذلك اليوم ودون أن ننسى ما تملكين من شهادات قد جعلتهم يعلنون قبولك ضمن فريقهم،
أخيراً أنت حرة ياصغيرتي،أتعلمين أن الطيران وحده كان يشعرني بالحرية، لحظة كانت تقلع الطائرة كانت بالنسبة لي بداية حياة جديدة، لم يكن يسعدني أكثر من ابتسامة مضيفة تحاول أن تسرق لحظات الخوف التي ترافق لحظات إقلاع الطائرة أو لحظات الفزع عند بدء الهبوط، أنت حرة ياصغيرتي لأنك أخترتي ماتريدين.
بدت أفكاري وكأنها رسالة، رغم أني لست من هواة الرسائل، ولو كنت أريد أن أكتب رسالة فلن تكون بهذا الطول أبداً، لكن بعد كل هذا الاستنزاف لأفكاري شعرت براحة كبيرة غططت بعدها بنوم عميق.
أفكار مشتتة
اتجهت للفندق الذي قد حجزت به مسبقاً، ولم يكن عندي رغبة بشيء سوى الاستلقاء على السرير والاستغراق بنوم يريحني من طول الرحلة، لكن لم يحصل ما أردته،
تقلبت في سريري منهكا من التعب والأرق، مرت الساعات وأنا أتقلب، كنت عاجزا تماماُ عن الحصول على لحظة نوم تمنع رأسي عن التفكير، كل مادار في رأسي هو رنا!!، رنا!!!! أي حلم كانت تلك الفتاة،
لم أستطع النوم وبدا لي أن كلاماً كثيراً لم أقله على متن الطائرة ولكني لا أعرف لما لم أفعل وقتها وقد بدأ يسيطر كل ذلك على تفكيري ولم أعرف كيف أتخلص من ثقل ذلك الإحساس ، تساءلت كثيراً هل ترأفت بحالة الأب حينها، أحسست بالذنب لأن شعوراً تملكني بالشفقة عليه فأنا لا أحب ذلك الشعور، يخنقني أن أشفق على أحد،
ليتني أخبرته وقتها بأني لا أريد أن أشفق عليه ليتني قلت له: أسمع أيها الأب، لن أمنحك شفقتي، فأنا ماعدت أشفق على أحد، تريد أن تكسب رأياً بأنه من حقك على أبنتك أن تسامحك، أنت تطلب السماح حتى قبل أن تعرض القضية، هل تعتقد أن القضية معروفة، نعم، يبدو أن القضية أصبحت معروفة، وهي تكرار لقضية تكررت يوماً بعد أخر.
نعم، أسمعني الآن، تبدأ القصة من كوننا نحن الدروز، ولا تستغرب أني أخيراً أقر لك بأنني من بني طائفتك وسأزيد على ذلك بأني من قريتك النائية تلك، نحن لا نختلف ياسيدي عن أي طائفة أخرى في أننا حبسنا أنفسنا في قمقم صغير، ضانين بأن كل من يُحبس في ذلك القمقم هو مارد ضخم، نعم، نحن لسنا مارد جبار ياسيدي، نحن أناس أردنا الاختباء، فاخترنا السكن هناك في أعالي الجبال في مناطق لايستطيع أن يصلها أعدائنا، لقد كان قرارنا أن نختبئ ولا تلومني على كلامي هذا، قد نكون تعرضنا للكثير من الظلم وللكثير من الملاحقات والمجازر عبر التاريخ، لكن قبل أن نعلن انتصاراتنا على الملأ، دعنا نعترف بهزيمتنا أمام نفسنا أولاً، هزيمتنا بدأت حين بدأنا نعتبر أنفسنا ضحية للغير، لعبنا دور الضحية بامتياز ياجاري، أتريد أن تعرف إلى أين أريد أن أصل بكلامي هذا، فلتطل صبرك قليلاً، فأنا سأخبرك، سأخبرك بأننا حين أتطلقنا للاختباء انقسمنا إلى جماعات وكل جماعة اختارت لنفسها مكان أمن افتخرت به على الآخرين لأنها أحسنت الاختيار، لا تقل لي أن هذا غير صحيح، لاتقل لي أن من سكن أعالي جبال لبنان من الدروز لا يعطي لنفسه الحق بالتعالي عمن سكن أعالي جبل العرب في سوريا، ولاتقل لي أن الدرزي في لبنان لا يظن نفسه أفضل من الدروز الذين سكنوا أرض فلسطين، لاتقل لي أن الدرزي في جبل العرب لا يظن نفسه أكثر وطنية من دروز لبنان، رغم أنه يعجز حتى عن تعريف كلمة وطن، لاتقل لي إن من يضع الطائفة في رأس أولوياته هو إنسان يملك وطن، الوطن والطائفة ياصديقي لا يجتمعان، فأما أنت وطني أو أنت طائفي، أما أن تكون وطني طائفي فهي ليست في القاموس، أعرف أنك تستغرب كلامي هذا، لكن لا عليك سأصل بك لما أريد أن أخبرك به، سأقول لك بقية القصة، فأنت ليست مشكلتك الدروز في سوريا أو لبنان وفلسطين، أنت مشكلتك تكمن مع نفسك، أنت من عرفت أن الأراضي التي سكنها الدروز أراضي وإن كانت تحميهم من أعدائهم لكنها لم تكن كافية لتؤمن لهم سبل العيش، لقد أخطأ الدروز ياصديقي عندما اختاروا عامل الأمن أولا في اختيارهم، لم يكن هناك من يخبرهم أن الأمن شرط أساسي للبقاء، لكن هناك شروط وشروط أخرى لابد من توفرها للحياة، نعم ياسيدي أنت اكتشفت أن سبل العيش ليست متوفرة فقررت السفر لما خلف البحار، لا تخف، فأنا لا ألومك على الهجرة، فلم تكن لوحدك، فلابد أنك تعلم أن من هاجر من الدروز يزيد على من يسكن موطنه الأصلي، ولو عدنا بالتاريخ قليلاُ، لعرفنا أن الدروز أصلاً جماعة هاجرت من شمال أفريقا إلى الشرق الأوسط، أو كما يقال هاجرت مثل كل القبائل العربية من اليمن، لن أتوقف عند أصولها فلا أحد يستطيع الجزم به، لكن ما لا يقدر أحد على أن يخالفه بأنها جماعة هاجرت من مكان ما، وأنت ياصديقي مع الكثيرين أكملت مسيرة الهجرة تلك، أنا لا ألومك على الهجرة، لكن أبنتك تلومك على شيء ما، أنا لا أعرف حتى الآن ماهو، لكني سأسرد عليك تتابع الأحداث وبالتأكيد سأصل للجواب،
سأبدأ بقضية الانتماء، نعم ياسيدي، أن تنتمي لطائفة ما، فهذا شي طبيعي بالنظر لطبيعة موطنك والمنطقة وتاريخها الموغل في التكتلات والتحالفات والنزاعات المختلفة، وأن تفتخر بتلك الطائفة فهو أيضا شي طبيعي لأنه جزء من حرب تخوضها مع الغير وأنت مستعد لفعل كل شي من أجل كسب تلك الحرب، لأنها حرب يا غالب يا مغلوب، لكنك لحظة قررت الهجرة ياسيدي بدأت مشكلتك مع نفسك، فأنت أردت الهجرة لكنك حملت طائفتك معك، لم ترد أن تترك القبيلة ورائك، تلك هي لحظة فارقة في حياتك ستقودك لما أنت عليه الآن،
أستطيع أن أراك الآن وأنت تحمل أبنتك الطفلة وتصعد وزوجتك ممسكة بيدي طفليها الآخرين إلى الطائرة المغادرة مطار دمشق، الكثير من أهلك حضروا ليودعونك وكلهم يعلم أنهم ربما لن يروك ثانية، كنت تتحرك بالمطار بكثير من التردد ويدك تمسك بقوة على حقيبة جلدية صغيرة تحمل كل أوراق الهجرة وجوازات السفر وبعض الدولارات التي استطعت أن تستدينها من أقاربك على أمل أن تعيدها عندما تصل إلى بلاد الغربة، لو كنت تعد الوصايا التي حملوك إياها أهلك وكرروها عليك مرة بعد مرة، ربما كان العدد وصل المليون، كل من عرف بسفرك جاء ليودعك، كانت الوداعات هي كل مافعلته في الشهور الأخيرة قبل سفرك، أستطيع أن أرى دموعك لحظة انطلقت الطائرة، ابنتك الجالسة إلى جانبك تعجز عن فهم ماحصل لك، لا تفهم سبب كل تلك الدموع، لكن دموعها ستسقط أيضا، أنت تجعل ابنتك تبكي ولكنها لن تغضب منك، وسوف تسامحك على ذلك، حتى أنها طفلة لن تتذكر أنك سببت لها الدموع في ذلك اليوم، زوجتك صامتة طوال الوقت، تتجول بنظرها بينك وبين أطفالها الثلاثة، تمنع نفسها من البكاء، سيكون هناك أمامها الكثير من الأوقات لتبكي وحدها، نعم، لوكان هناك من ينظر في تاريخ الدروز لأستطاع أن يدرك أن البطل الخفي في هذا التاريخ هو المرأة ياسيدي، هناك خلف الرجل كانت دوماً لكنها وحدها من يستحق أوسمة التحمل والصبر والمعاناة والوقوف بعد كل مصيبة، نعم، سيكون هناك وقت كافي لها لتذرف دموعها ولكنها ستكون وحيدة عندها، ولن ترى دموعها كما رأت هي دموعك،
كانت رحلتك طويلة، ساعات وساعات، تنقلت في أكثر من مطار، لكن انتظر هذه الرحلة ستكون جد قصيرة مقارنة مع بقية رحلتك الطويلة، ستصل أخير إلى أستراليا، ستصل وأنت منهك تماماً، الأطفال نائمين وأمهم تحاول إيقاظهم لينزلوا من الطائرة، تطول الساعات في المطار حتى تنجز معاملات الهجرة، هنا، بدأت المشكلة ياسيدي، في تلك اللحظة التي تعلن فيها لموظف الهجرة أن هناك أصدقاء ينتظرونك خارجاً، حسناً، أنت لم تهاجر إلى أستراليا، لم تكن أستراليا بشكل ما هي هدفك، لقد كانت هجرتك إلى دروز أستراليا، هاهي هجرة أخرى تضيفها لتاريخ الهجرات الدرزية، وهاهي تجمعات درزية جديدة تتكون في مكان جديد، لكن مع خلاف وحيد، أنها تشكلت على مر الزمن وبشكل بطيء، وفرق أخر، أنها كانت هجرة لكسب العيش ولم يكن الأمن هو همها الأول، ويمكن وصفها بالهجرة الأكثر ذكاءً بشكل ما, لكن .. دوما سيكون هناك لكن!!!
توقف عن النظر إلي بتلك النظرة ياسيدي وكأني أقترف جريمة تشريحك وأنت حي، أنت تطلب الغفران وأنا لا أملكه، أنا أملك كلمة سأقولها وانصرف، ولكنك أنت ستبقى مع نفسك بعدها، جمعتنا الصدفة على متن هذه الطائرة، لربما لم نكن لنلتقي أبداُ، لكن طالما نحن هنا فلنكن صريحين بأني لم أختر أن أكون درزيا كما لم أختر أن أجلس جنبك هنا، لكنك أنت اخترت أن تهاجر لكن إلى مكان أخر ينتظرك فيه مجتمع درزي يقيم في ارض المهجر، لا أريد أن أقول أن هذا خطأك، فهو كما يبدو ليس خيارك أيضاً ولا يمكن لوم الناس على شيء لم يكن لهم الخيار فيه، حتى عملك بعدما وصلت أرض المهجر لم تختاره، فأنا قادر الآن أن أتخيلك واقفاً في ذلك المخزن الكبير ترزح تحت ثقل أوزان الصناديق الكبيرة التي تنقلها من مكان إلى أخر، تنتظر أن ينتهي نهار العمل الطويل، تقنع نفسك بأن الوقت يمر، ولكن أربعة عشرة ساعة من العمل اليومي لاتمر بسهولة ياصديقي، يمر بك أبن عمك الذي أمن لك هذا العمل ليطمئن عليك، فهو رئيس العمال في المخزن، تسأله كلما رأيته بأنه وعدك بتسليمك مهام أمين المستودع فأنت تحمل إجازة في الاقتصاد، فيرد عليك بأن تطيل صبرك، فأنت جديد في العمل ولابد أن تنتظر، كانت كلمة جديد تثير غضبك، كيف تكون جديد وهاقد مرت سنة كاملة على وجودك هنا، والدخل الذي تكسبه من عملك لايكفي ليسد رمقك ورمق عائلتك، ثم ماذا ستفعل بمن استدنت منهم الأموال للهجرة، أنهم يعتقدون أنك طنشتهم ولا تريد رد الدين لهم، أنهم يقولون في نفسهم أن من يسافر يصبح غنيا ينعم برغد الحياة وينسانا نحن الفقراء، نعم أنت جديد بالعمل ياسيدي وهاقد مرت سنة أخرى، وستمر ثلاث سنين، أبنتك الصغيرة لم تعد تراك إلا في ماندر، فأنت تخرج من منزلك قبل أن تصحو وتعود وهي نائمة، لكم فاجأك حين لاحظت أنها لم تعد تتحدث العربية أبدا وأنها ترد على أسئلتك باللغة الانكليزية، عندها نظرت إلى زوجتك ولمتها كيف أهملت ابنتها لدرجة أنها لم تعد تتكلم اللغة العربية، زوجتك، مالذي تفعله مع طفلة تعيش في مكان كل الناس تتحدث بالانكليزية، لماذا تعتقد أنها ستحافظ على لغتها الأم، مع من كانت ستتحدث بتلك اللغة، يومها صرخت بها كما لم تصرخ من قبل، ربما شعرت بأنك بدأت تخسر تلك الطفلة، كنت تريد أن تمنع تلك الخسارة، لكنك عاجز، صراخك هو تعبير عن عجزك، بكت يومها طفلتك الصغيرة، بكت لأنها لم تفهم لماذا تصرخ عليها، بكت كما لم تبكي من قبل ولكنها ستنسى ياسيدي انك أبكيتها فالأطفال ينسون بطبعهم، طفلتك نسيت ذلك لكنه كان يوم فاصل في حياتك ياسيدي، لقد شعرت بالخوف يومها ياسيدي، لقد شعرت بالخوف على وجودك، عادت درزيتك لتظهر على السطح، اليوم ابنتك نسيت لغتها، وغداُ سوف تنسى تقاليد الدروز، لم تنم ليلتها ياسيدي، الرعب هز كيانك، وتمنيت لو أنك تعيش في جبال نائية لايسكنها سوى الدروز، تريد عالماً خالي من البشر، فقط دروز، قد يتحقق ذلك لك لو كنت في سوريا أو لبنان وحتى فلسطين، لكن أنت اخترت الهجرة لأستراليا،
مرت السنين وها أنت صباحاً قبل أن تشرق الشمس انطلقت خارجاً إلى العمل، ولكنك للمرة الأولى تصحب ابنك البكر معك، فبعد أن فشل في دراسته وأصبحت تكاليف تعليمه عبث لا داعي له، فهو لم يستطع أن ينخرط في هذا المجتمع المتمدن، حتى لغته الانكليزية مليئة بالعبارات النابية التي اكتسبها من أصدقائه في الشارع، كان في الثانية عشرة عندما وصلت أرض المهجر، لم يكن سهلاً أن يعاد تطويعه ليصبح جزءاً من المجتمع الاسترالي أو ربما كنت تخشى أن يصبح جزءً منه فعملت جاهداً أن تضعه في بيئة مليئة بأقرانه الدروز، كنت تريده أن يربى على ما تربيت عليه، كانت الصدمة له أكبر من أن تفهمها، لقد نقلت صبياً في بدء سن المراهقة من مجتمع بدائي زراعي مغلق لتضعه في مكان مبني على الفردية المتمدنة، كل ما استطاع أن يفهمه أبنك انه في عالم حر، الحرية، لا أعرف لو كنت قادراً على وصف ماكان فهمه لكلمة الحرية، لكني أستطيع أن أصف لك أنه عاش حالة تخبط بين درزيته التي تصر أنت على أن تزرعها فيه وبين المدنية التي تنتشر حوله، واستطيع أن أصف لك كيف بدأ يزعج أخته بمفاهيمه الشرقية عن الحياة وترك لنفسه العنان متخذا من الحياة الغربية ملهما له،
صحيح أنك أصبحت مسئولاً عن المستودعات، وأن دخلك تحسن قليلاً لكن مصاريفك زادت بنفس الوقت، وكبر الأولاد وزادت أعبائهم، حسنا، سيساعدك ابنك البكر على تحمل المصاريف في المنزل، ولكن لاتنسى أنه بذلك أصبح جزءاً من السيادة في المنزل، ذلك شيئاً لم تعتده وليس موجود في مفاهيمك، في قريتك النائية كل الأفراد تعمل لكن وحده الأب يقرر، وحده يملك حق السيادة في المنزل، لكن انتظر قليلا ، أنت درزي صحيح ولكنك اخترت استراليا، أنت تخليت عن الأمن في تلك الجبال وسعيت وراء لقمة العيش، هنا سيكون من يهز عرشك، عرش الأب الأكليريكي، اليوم مساءاً، ستثور ثائرتك عندما تعلم أن أبنك البكر قد ضرب أخته لأنه رآها تسير مع شاب أسترالي في الطريق، لاتعلم سبب ثورتك، لاتعرف هل هو نتيجة لضربه أخته متجاوزاً سلطة الأب، أم لأنك عرفت أن ابنتك خرقت اكبر المحرمات لدى الدروز وبدأت تواعد شاباً من خارج الملة، لعلك غاضب من كل شيء، مالذي ستفعله، ستصرخ على ابنك وتهدده بأنك ستطرده من البيت لو أعاد الكرة، وتنظر إلى ابنتك وتهددها بأنك ستذبحها لو أنك سمعت بأنها تواعد أسترالياً، انظر إلى نفسك، أنت تهدد الذكر بالطرد خارج المنزل ولكنك تهدد الفتاة بالذبح، هل نسيت أنك تعيش في أستراليا، هل نسيت أن قوانينك الدرزية لاتنفع في هذا البلد،
يبدو أنك لم تنسى، ويبدو أنك مرعوب من الحالة التي وصلت إليها الأمور، ما الحل، سنزوجها بأسرع وقت، هذا هو القرار الذي أعلنته لزوجتك الصامتة كعادتها،
إما الزواج أو الذبح، أي مستقبل كان بانتظارك أيتها الطفلة المسكينة، كل أحلامك أخذة في التلاشي، لاحلم مع الطوائف، أنت عار العائلة التي تحمله معها أينما سارت، اقدر حلمك القديم بأن تصبحي معلمة، لا أدري سر شغفك بالتعليم، فكل من يعرفك كان يعرف انك تودين التعلم لتصبحي معلمة، كانت لديك موهبة في التعلم بسرعة، وكنت تسبقين أقرانك، وكان أخويك يغاران منك، فقد عجزا كليهما من فك أحرف أسماء الكتب التي كنت تملئين بها خزانتك، لكن لابأس كنت تعرفين أن قانون العائلة لن يدوم طويلاً، كنت قد تعلمت انك في بلد حر وتعلمت ماذا تعني الحرية، لكن يسوؤني أن اعترف لك يا صغيرتي انك لن تنجي بفعلتك تلك فالعائلة لن تتوانى عن تحطيم أشرعتك، وسيسعون بكل ما أوتوا من بربرية أن يعيدونك إلى رشدك، وإلى حظيرة العائلة، فهاهو أبيك يرسل في طلب المنقذ من القرية، ساعدونا، انجدونا، يصرخ في أهله، أرسلوا لنا شابا ليتزوج ابنتي وينقذها من عذاب جهنم، وكيف لا تهب القبيلة لنجدة ابنها البار، كل المراسم تمت، الزواج تم، حتى قبل أن تعرفي من هو الشاب، ما هو اسمه، لكن لاعليك، فهو ابن جلدتك وطائفتك، شاب ابن عالم وناس وكأن بقية شعوب العالم ليست أولاد عالم وناس، انه شاب يحترم المرأة ويعرف أن لها حقوقا وعليها واجبات لكن بمفهومنا الدرزي وكأن كل المفاهيم الأخرى تظلم المرأة وتسحقها، لكن لا تحزني كثيراً فهو متعلم، فقد أنجز سنته الثانية في كلية الأدب الانكليزي، حسنا على الأقل يجيد نطق بعض الكلمات الانكليزية، لا ادري لم لا ترين الجانب المشرق من الموضوع،هل نسيت كلمات أبوك التي كان يرددها على مسمعك منذ الصغر وكأنه يعرف أنه يوما مثل هذا اليوم سينفعه ذلك الكلام هل نسيت حكمته التي كان يرددها "زبال درزي ولا ملك من برا"، نعم لقد حقق مقولته ولن تنفعك كل محاولاتك في منع العائلة من الاستمرار في هذا الزواج، لم يبقى أمامك سوى خيار واحد، الموت، الموت أو الزواج، لكن إرادة الحياة لديك ترفض خيار الموت، تقولين لنفسك سأقبل بالزواج فهو انتقال من سلطة الأب والأخوة إلى سلطة الزوج، نعم سيكون من الأسهل عليك التعامل مع الزوج وحده من أن تتعاملين مع عشيرة،
الكل كان سعيداً بهذا الزواج، المجتمع الدرزي في المهجر يهنئ بالزواج المبارك ويدعوا لكم بالسعادة، وحدك ياصغيرتي لم تشعري بطعم السعادة، لكن لاعليك سيأتي يوم يطلب فيه والدك الغفران والصفح منك ولكنك لن تعطيه مايريد، سأكون أنا شاهداً على ذلك اليوم، هذا وعد مني،
لاتنتظر مني ياسيدي أن أروي لك تفاصيل اللحظات التي تلت العرس، أو أيام الزواج الأولى، ولا أريد أن أروي لك ياسيدي تفاصيل حياة أبنتك مع ذلك الشاب الذي زوجتها منه، لأنك في قرارة نفسك كنت تعرف المرارة والأذى الذي سببته لها، صحيح أنها كانت دائمة الابتسامة ، لكنها ابتسامة لتخفي ألمها بها، صدقني ياسيدي لن تصفح عنك،
تمر الأيام من حولك ياصغيرتي وتحملين بطفلتك ميرا، تتوقفين عن الذهاب للجامعة لفترة قصيرة لكنك سرعان ما تعودين إلى الدراسة كان حلمك أقوى من كل الظروف، لم يكن هناك شيء يمنعك من الاستمرار في سعيك وراء حلمك، المشاكل بينك وبين زوجك لاتنتهي، لكن حربه ضد دراستك كانت شرسة وكان لابد لك من إن تتابعي ذهابك للجامعة ، تبدئين بالعمل لتغطية المصاريف، تختاري لنفسك عملاً بدوام جزئي في مجال التسويق، تساعدك أمك في تربية الطفلة، تشكرين الله على وجودها إلى جانبك،
تكتشفين صدفة أن زوجك يخونك مع امرأة أخرى، تشعرين بفرح بالغ، لأنها كانت رصاصة الرحمة على زواجكم، وتنتهي تلك الحقبة من حياتك إلى الأبد، تصبحين في عداد المطلقات و لك ابنة تربينها بمساعدة أمك،
مع الوقت تكتشفي لديك مواهب في التسويق وتكتشفين رغبة لديك لتزيدي من مهارتك في هذا المجال، تنهي دراستك الجامعية وتقررين التخلي عن حلمك في أن تصبحي معلمة، تبدئين بدراسة الماجستير بتخصص تسويق، يمر بعض الوقت قبل أن تفقدي حماستك تجاه التسويق، كل من حولك يستغرب هذا التخبط الذي أصابك، ليس هناك من يدرك أنهم سبب كل ذلك، صحيح أنهم أنقذوا شرف القبيلة كما يعتقدون، لكنهم صنعوا جيلاً مشوها، غير قادر على التأقلم مع الحياة، جيل مصاب بالانفصام بين كيانه كانسان وكيانه كدرزي، بين ألمه وبين من سبب له الألم، ويوماً بعد يوم أصبحت الفوضى تعم أرجاء حياتك، فتقرري البحث عن مخرج،وليس أفضل من بداية جديدة في مكان بعيد من مخرج لك، فتبدئي عن البحث عن تلك البداية، لكنك تكتشفين صدفة أعلاناً لمضيفات طيران، يسرك انك تحققين شروط الانتساب، تذهبين للمقابلة وأنت عازمة على أن تكوني من ضمن الناجحين، لاشك أن ابتسامتك في ذلك اليوم ودون أن ننسى ما تملكين من شهادات قد جعلتهم يعلنون قبولك ضمن فريقهم،
أخيراً أنت حرة ياصغيرتي،أتعلمين أن الطيران وحده كان يشعرني بالحرية، لحظة كانت تقلع الطائرة كانت بالنسبة لي بداية حياة جديدة، لم يكن يسعدني أكثر من ابتسامة مضيفة تحاول أن تسرق لحظات الخوف التي ترافق لحظات إقلاع الطائرة أو لحظات الفزع عند بدء الهبوط، أنت حرة ياصغيرتي لأنك أخترتي ماتريدين.
بدت أفكاري وكأنها رسالة، رغم أني لست من هواة الرسائل، ولو كنت أريد أن أكتب رسالة فلن تكون بهذا الطول أبداً، لكن بعد كل هذا الاستنزاف لأفكاري شعرت براحة كبيرة غططت بعدها بنوم عميق.
---التالي---
-----------------------------------
-----------------------------------
0 comments:
Post a Comment