-3-
اكنشــاف
اكنشــاف
كانت رحلتي لأستراليا مرتبطة بعقد لعدة أشهر، فقد تعودت في عملي على التنقل بين الدول مستفيداً مما تحققه تلك العقود القصيرة الأجل من أرباح لابأس بها، وللحقيقة لم يكن ذلك أول عقد لي في استراليـا، لقد كان الثالث خلال الخمسة سنوات السابقة، ولم تجري أحداث كثيرة لي في تلك الفترات التي قضيتها هناك، كان العمل يستنزف معظم أيامي بما فيها أيام العطل فهذا من طبيعة عملي، أو ربما من طبيعتي إن أعمل أيام العطل لأني لا أعرف شي أخر أفعله غير العمل في تلك البلاد البعيدة، ولكن على غير عادتي في هذا الأسبوع الأول من رحلتي قررت أن لدي ما أفعله في عطلة نهاية الأسبوع، كانت الأمور واضحة وبسيطة ولا تحتاج لأي تفكير، أمسكت الورقة التي تحمل رقمها واتصلت بها دون تردد، فتحت هاتفها وهي تنهي حديثها مع احد الأشخاص بقربها، فانتظرت قليلا حتى سمعتها تلقي عليه تحية الوداع وتجيب على مكالمتي، "مرحبا، رنا" خاطبتها بطريقة توحي بأننا نعرف بعضنا منذ زمن بعيد، ردت على اتصالي ببعض الحذر، سألتني من أكون، ساءني أنها لم تعرفني من صوتي، "أنا وائل، التقينا على الرحلة القادمة من سنغافورة بداية الأسبوع، هل تتذكريني؟"،
فرحت كثيراً عندما ردت بصوت عالي لترحب بي وتعتذر لأنها لم تعرف صوتي، قالت "أن لي صوتاً جميلاً على الهاتف ولكنه يختلف قليلاً عن صوتي العادي"،
"أين ستكونين في نهاية الأسبوع، هل ستكونين على الأرض؟"
"همم، نهاية الأسبوع، سأكون في رحلة مغادرة لأستراليا، سأعود يوم الأربعاء!!!"
"حسناً، يالسوء حظي"، قلتها ببعض المرارة التي سرعان ما تبددت عندما سمعت ضحكتها تنطلق من سماعة الهاتف مرددة "يالسوء حظك؟؟" أأنت متشوق لرؤيتي لهذه الدرجة، قالتها وهي مازالت تضحك، "لا تلعن حظك كثيراً، لربما كان ذلك من حسن حظك!!"
تملكتني الدهشة لسماعي تلك الكلمات، حاولت مجاراتها بالحديث ولكني تلعثمت قليلاً، قلت لها أني سأنتظرها حتى تعود لعلنا نتكلم ثانية، كنت أتوقع منها أن تنهي المكالمة بعدها، لكنها لم تفعل، سألتني أن أنتظر قليلاً وستعاود الاتصال بي من مكان أقل ضجيجا من مكانها الحالي، "حسناً أنا بالانتظار" أغلقت هاتفي وبقيت ممسكاً به بقوة خوفاً من أن يرن فلا أسمعه، نظرت إلى مؤشر الشبكة لأتأكد من أنها غير مقطوعة، كنت أتلفت حولي مثل مراهق ينتظر فتاة في موعده الأول، نظرت للساعة عدة مرات وأنا أقول لنفسي كم تأخرت، لم تمر خمس دقائق ولكني كنت اعتقد أنها تجاوزت الساعة، أخيرا قررت أن أتمالك نفسي واجلس ريثما تتصل،
أنا أكره الانتظار، رغم هدوئي والصبر الذي أتمتع به، لكني اكره الانتظار، إنها عادة تعلمت مع الوقت كيف أتعايش معها ولم استطع أن امحوها من شخصيتي، الانتظار يصيبني بألم رهيب في أنحاء جسدي، اشعر بأقدامي عاجزة عن حملي، وكل ما افعله حينها هو إخفاء توتري بالصمت،
دقائق مرت وكأنها ساعات، لكن الهاتف عاد ليرن أخيراً، انطلقت بالحديث سائلة عن أخباري، أين أقيم وفي أي مدينة أنا الآن، وكم من الوقت سأمكث في استراليا، ولماذا أنا في أستراليا؟، كانت تنهال على بالأسئلة كرصاص متواصل من فم رشاش أوتوماتيكي، لم تعطني فرصة لأجيبها، لم يكن مهماً أن أجيبها كنت سعيداً بسماع صوتها، لكنها سرعان ما اكتشفت أنها لم تترك لي المجال لأرد عليها،
- "لماذا لا تجيب؟" أنهت سؤالها ضاحكة،
- "حسناً، حسناً، أعطني الفرصة وسأجيبك،"
- "وكأني لم أمنحك الفرصة، هل هذا ما تعنيه؟"
- "لا، لا لم أقصد؟"
- "بلى، أنت قلت بأني لم أعطك الفرصة، هل تعتقد بأني متسلطة بعض الشيء؟"
يا إلهي، لم أدرك كيف اخذ الحديث هذا المجرى بتلك السرعة، كنت أحاول تمالك نفسي ومعرفة كيفية تفادي ذلك الموقف، حتى أن العرق بدأ يتصبب مني، لم يكن من الممكن متابعة الحديث على تلك الطريق، لم يكن أمامي سوى أن أخذ زمام الحديث وأبعده عن هذا المسار،
- "توقفي أرجوك"، قلتها بحزم وأكملت: "هل تريدين الشجار معي، لو كان هذا ما تريدين فأنا مستعد"،
وانتظرت بعدها لأعرف ماهو ردها، لكن ضحكتها التي عادت ترن في أذني أقوى من الأول، جعلتني افهم أني شربت المقلب الذي صنعته لي،
- "حسن اسمعي، اعرف انك لاحظت كم أنا متلبك وبدأت أفهم أنك تحبين المزاح والتلاعب بالموقف المواتي دون تفويت الفرصة، لكن انتظري قليلاً فأنا لا أستطيع مجاراتك تلك اللعبة، أنا لست رحب الصدر كثيراً" قلت كلامي هذا وأنا آمل لو لم أقله،
ساد بعض الصمت لكن سرعان ما عادت لتقول لي: "طيب، راح نخفف اللعب شوي، أعتذر منك، فأنا أتمتع بنشاط مفرط، ولا استطيع أن أخفي فرحي كما لا أخفي حزني، تثيرني الحياة، أو يمكنني القول انه يثيرني اللعب في الحياة، أنا أعتبر الحياة لعبة أو لنقل مجموعة العاب بالنسبة لي، أشعر كثيرا أنني جزء من فريق للعب، وكل واحد منا يؤدي دوره في هذه اللعبة التي اسمها الحياة، لكن لاتخاف فأنا من الذي يحبون الحياة المضحكة، لست من هواة التراجيديات ولا البكاء،"
كانت لها طريقة غريبة في سرد الجمل المتتالية بسرعة، كأن كل ما تقوله مجهز سابقاً ومحفوظ في رأسها، خشيت في البداية أن تكون لديها إجابات مسبقة عن الأشياء، لا أحب الأشخاص الذين يملكون أجوبة لكل سؤال وكأن القضية هي أن تملك الجواب، متناسيين أن معرفة الجواب شيء وتجربتك الخاصة التي قادتك للجواب عن السؤال شي أخر، بدأت أتساءل هل هي من هذا النوع من الناس، ولكنها لم تترك المجال لي كي أتساءل كثيراً لأن صوتها عاد ليصدمني حين قالت لي "أين ذهبت، هل تفكر بالكلام الذي أقوله؟، لاتفكر كثيراً بما تسمع مني، لأني أنا نفسي قد أنساه وقد أقول أشياء مغايرة له بعد حين"،
كنت أستمع لكلماتها وأنا في حالة من اليقين بأنها تتمتع بذلك الذكاء الفطري القادر على التلاعب بالأفكار، من يملك تلك المقدرة هم أشخاص أذكياء يملكون مقدرة لمعرفة الإجابات على الأسئلة التي تسألها، كانت تمر الأفكار برأسي سريعة بينما تغمرني سعادة كبيرة في داخلي، أحب النساء اللواتي يتمتعن بذلك الذكاء، وأحبهن أكثر عندما يملكن المقدرة لاستخدامه في حياتهن على مدى الدقائق والساعات،
"في أية ساعة تعودين يوم الأربعاء؟" سألتها وأنا أقول لنفسي أن كلامنا على الهاتف يشوقني كثيراً لمتعة لقائها!
"هل تود أن تصحبني من المطار؟" أجابت ضاحكة،
"لم لا، فقط أعلميني عن ساعة العودة،"
صمتت قليلاً قبل أن تجيب، لربما كانت تفكر بشيء ما، ثم عادت تقول " لا، لا استطيع يوم الأربعاء، لأني سأغادر سيدني إلى ملبورن لملاقاة ابنتي ميرا ولكني سأعود إلى سيدني يوم السبت، سيكون لدي بضعة ساعات قبل انطلاق الرحلة ، لو رغبت سأراك يوم السبت؟"
"حسن، لاخيار أمامي، فلايمكن لي أن أخذك من ابنتك، سأنتظر لقائنا يوم السبت،هل هناك مكان معين تفضلينه للقائنا؟"
ضحكت من جديد مجيبة على سؤالي "أي مكان يضج بالحركة سيفي بالغرض، لا أحب الأماكن الهادئة"
"حسناُ، اتفقنا، إلى اللقاء إذا"
"إلى اللقاء"،
انتهت تلك المكالمة ولكن ضحكتها لم تزل ترن في رأسي كصوت عقارب الساعة المستمرة في الحركة معلنة مرور الثواني، واخذ شعوراً ببطء الزمن يلاحقني طوال ذلك الأسبوع، وأصبح موعدي مع رنا هو محور أيامي تلك، وكل شيء مرتبط بتلك الفتاة الآن، حتى بدأت أفكر في سر ذلك الإحساس الذي بدا غريباً عليّ ولم اعتد عليه سابقاً، كيف سارت بي الأقدار إلى هذا المكان وكيف جمعتني بها، كلها تساؤلات كانت مستمرة يشوبها الغموض والفرح في نفس الوقت، فرح كان يتزايد مع اقتراب موعد لقائنا.
اتصلت بها يوم الأربعاء وكل ماكنت أفكر بها أني أريد أن اسمع صوتها، كانت قد وصلت إلى ملبورن لتوها، ضحكت كعادتها عندما سمعت صوتي، كأنها تعرف ماتفعله بي تلك الضحكة، وقبل أن أبدأ بأي حديث معها انطلقت تسرد لي وقائع وتفاصيل كثيرة عن رحلتها الأخيرة، لا أعرف كيف تبتدئ القصص عندها وأين تنتهي، من أين تبدأ الحديث ولا إلى أين يقودها، كانت تتمتع بذهن صافي ومقدرة على التنقل بين الأفكار بسلاسة، كنت استمع إليها دون أن أقاطعها، حتى لاحظت هي إنني لا أتكلم، فضحكت عندها وقالت لي "لا تتركني استلم الحديث لوحدي فأنا إن بدأت فلا انتهي"، لم أعرف بماذا أجيبها، صمتت قليلاً حتى عادت تحثني على الكلام،
قلت لها "أن تستمر بالكلام وأنا سأستمع، فليس أجمل عندي من الاستماع لصوتها"
صمتت هي بعدها وانتظرت لبرهة قبل أن تعود للكلام "وائل! أنت تبدو كمن وقع في الحب؟؟"، قالتها وهي تشعر بالخوف من أن أجيبها بنعم، لكن قبل أن أجيب بأي كلمة أكملت حديثها، "وائل، إياك أن تقع بحبي، لا تفعلها أرجوك، أنا أحسست بك صديقاً قادماً من عالم بعيد، شعرت بالقرب منك ولكن لا أريد أن أخسرك قبل أن أتعرف إلى ذلك الشخص بداخلك"
"وائل،وائل" أعادت مناداتي وأنا على الطرف الأخر للخط غير قادر على الكلام، تمالكت بعض من شجاعتي وقلت لها، بأني لا املك الخيار، ليس بيدي أن أوقف ذلك الشعور الرهيب الذي اجتاحني منذ لحظة تعارفنا، شعوري بحاجتي إليها وبحاجتي المستمرة في أن اسمع صوتها، أخبرتها بأن صورة وجهها لا تفارق مخيلتي، و أنا غير قادر عن التوقف عن التفكير بها طول الوقت،
صمتت هي بعدها ولم تتكلم لفترة وجيزة، وعادت تتساءل كمن فقد المقدرة على التركيز ولا يعرف عن ماذا يريد أن يتكلم،"وائل، انأ أحذرك من حبك هذا، أنا لا أريده، حتى أني لا اقدر على مجاراته، إن كنت قادراً على أن تصبح صديقاً لي فأنا سأكون في قمة فرحي، لكن حبك لي حتى قبل أن نلتقي، يجعلني افقد توازني ويشوشني"
لم أكن أفكر بكل ردود الأفعال التي قد تبدر منها، كان حبي لها قد جرفني وجرف معه أي تفكير بالمنطق، إنها بالتأكيد محقة بردة فعلها، فكيف لشخص لم تلتقه سوى مرة واحدة ولا يعرف عنها أي شي أن يقول لها بأنها يحبها بتلك البساطة وبدون أية مقدمات، من أين يولد ذلك الحب اللحظي الجارف كسيل قد يجرف معه الأشخاص من حوله إلى مكان غير معروف،
"أرجوك، أريد أن اقفل الهاتف الآن، لا مقدرة لي على متابعة الحديث"، قالتها وأغلقت الهاتف حتى قبل أن تسمع الرد مني،
أقفلت الهاتف ولكنها فتحت في نفس اللحظة أبواب الجحيم أمامي، مرت أكثر من ساعة وانأ جالس بدون أية حركة، لم أكن أفكر كنت عاجزاً عن فعل أي شيء، انظر بعيوني إلى مرآة بعيدة عني ولكني أرى صورتي بها، انظر إلى تلك النظرة الخاوية في عيني المنعكسة على المرآة، كنت أفكر بأن أتحرك باتجاه الشارع أو اتجاه أي مكان يضج بالحركة، لكني عجزت عن الحركة كأن شللاً أصابني، لم تقوى قدماي على حملي،
كنت انتظر أن يأتي من ينتشلني من مكاني، لكن يكن يخطر ببالي في تلك اللحظة التي انطلق صوت الهاتف يرن أن تكون رنا هي التي تعاود الاتصال، فتحت الهاتف وأنا غير قادر على التصديق، سمعت أولى كلماتها وآنا أحاول أن امنع الدموع من أن تسقط من عيوني،
"وائل، اسمعني جيداً" قالتها وهي تبدو جازمة في ما تقول، وتابعت الكلام: " لننسى ما جرى من حديث سابقاً، دعنا نلتقي يوم السبت وكأن شيء لم يحدث، لندع الأمور تأخذ مجراها، لا أريد أن استبق الأحداث ولا أن ارفض مجراها في نفس الوقت!!"،
أجبتها وأنا لم أشعر بسعادة مثل تلك السعادة التي حملتها كلماتها إلي في تلك اللحظة "نعم، نعم، لا عليك، لنلتق يوم السبت وعندها لكل حادث حديث"،
لا ادري كيف ردت بصوتها الروح في جسدي وبدأ الدم يسري في عروقي من جديد، انطلقت بعدها إلى الشارع، مرت ساعات وأنا امشي متسكعاً، لازال التسكع هوايتي وطريقتي في الترويح عن نفسي، عدت بعدها في وقت متأخر دخلت إلى الحمام وأخذت لنفسي حمام من الماء الدافئ سارعت لإنهائه عندما خطرت في بالي فكرة لأتصل بها كي أطمئن عليها، أمسكت هاتفي واتصلت بها، لم تتأخر في الرد على مكالمتي، وغمرني شعور رائع عندما بدأت كلامها بضحكتها المعتادة، لكني لم ادعها تتكلم في هذه المرة، رحت اكلمها وأحدثها عن أشياء وأشياء، لم تتكلم إلا حينما كانت تشعر بأن لغتي الانكليزية كانت تخونني في المقدرة على اختيار الكلمة المناسبة فكانت تردني بالكلمة مسرعة بالصمت لتسمع لما كنت أقوله، قضايا كثيرة تحدثنا عنها في تلك الليلة من سياسية واجتماعية كانت تتجاوب مع المواضيع بشتى أنواعها، فقد كان لديها من سعة الاطلاع ما كانت تثير إعجابي به،
تكلمنا كثيراً تلك الليلة وفي الليالي التي تلتها، تلكمنا عن كل الأشياء ولكن لم نتحدث عن أنفسنا، عن رنا أو عن وائل، كان الاثنان خارج ذلك الحديث، في محاولة غير مقصودة وغير محددة الأهداف، كنت اعرف أن ذلك التجاهل لن يطول وأننا لابد أن نصل لتلك النقطة من جديد، لكني قررت الاستمتاع باللحظة الراهنة دون التفكير في القادم، مع ماكان يشكل هذا تباينا مع ما تعودته في حياتي.
في يوم السبت كنت في قمة نشاطي لم استطع النوم لأكثر من ثلاث ساعات، استيقظت باكراً جداً، كنت اخترق المكان جيئة وذهاباً بين غرفة النوم والحمام، أحاول أن أجد أفضل مالدي لأرتديه، وأسرعت بالخروج خشية أن أتأخر عليها، وصلت قبلها إلى المقهى، طلبت لنفسي فنجان قهوة اسبريسو، وأخذت أمارس هوايتي في مراقبة الناس الذين يحيطون بي، كنت ادقق النظر في كل شيء، الحقائب وماركاتها، النظارات الشمسية وأشكالها، الطريقة التي مشطوا بها شعرهم، الكتب التي قد يحملها احدهم، كثيراً ماكنت أحب قراءة العناوين الرئيسية في جرائد من يجلسون قريباً مني، كنت احسدهم كثيراً في تلك البلاد على ممارستهم للقراءة في المقاهي والمطاعم بينما أتحسر على مجتمعاتنا التي غرقت بدخان الاراجيل التي امتلأت بها المقاهي والمطاعم وأصبحت رفيقة كل روادها، لم تمضي لحظات على تلك الأفكار حتى أطلت من باب المقهى بثوبها الأسود القصير الذي ينم عن ذوق راقي الاختيار، اقتربت مني وأنا أقول لها "وأخيراً التقينا"، فاجأتني عندما فتحت ذراعيها لتضمني كما يفعل الأصدقاء القدامى فضممتها بدوري مردداً عبارات السلام والترحيب، جلست قبالتي وراحت تنظر إلي وهي تشعر بكل الارتباك الذي أصابني،
"ماذا أحضر لك؟" سألتها في محاولة لتدارك نفسي،
"شاي بارد، بطعم الخوخ،" أجابتني وهي ترسم ابتسامتها وهي تعرف بأن كل ما تقوله يفاجئني ويثير دهشتي،
أحضرت لها ما طلبت وجلسنا نتحدث، لم اشعر بفرق بين طريقة حديثها على الهاتف والطريقة التي تتحدث بها وهي أمامي، كانت تستطيع التعبير بالكلمات دون الحاجة لاستخدام تعبيرات في الوجه أو حركات اليدين،
راحت تقص علي الأشياء التي فعلتها في اليومين الماضيين في ملبورن مع ابنتها وكيف انتهت عطلتها بمشادة كلامية مع أمها، وكيف كان أبوها مشغول كل الوقت بتلك القضية التي تخص رابطة المغتربين في ملبورن مع السفارة السورية في سيدني، كانت تريد الاستمرار لكني سألتها إن تخبرني عن تلك القضية، فأنا سمعت عنها من أكثر من طرف،
"لا شيء جديد!!"، قالت بكل هدوء، واستمرت بالحديث " هل تعلم أننا نحن السوريين نحاول أن نصنع لأنفسنا وطناً يشبه وطننا الأم هنا في بلاد الاغتراب، لا أدري ما الحاجة لمثل هذا، أبي منذ أشهر وهو منغمس في تلك القضية، يحاول جمع كل من يستطيع لدعم تلك الرابطة ضد رغبة الكثيرين هناك في ملبورن وضد رغبة السفارة السورية، السفير السوري يريد رابطة تحت أمرته في ملبورن، كما هو معتاد في سورية، وكما تعلم السوريين لا يتفقون على شيء، ودوماً هناك من يقف مع والأخر يقف ضد، وغالباً ينسون السبب الرئيسي للخلاف ويقعون ضحية العناد والفوضى"،
كانت تبحث عن الكلمات وهي تتحدث وهو شيء لم اعتده منها، فسألتها "تبدين مشتتة الأفكار؟ما هي القصة؟"
صمتت للحظة ثم قالت: "لقد نطقت بعبارة لم انطقها منذ سنين طويلة، لا اعرف متى كان أخر مرة قلت فيها عبارة <نحن السوريون>" قالت ذلك وانفجرت بالضحك،
"نحن السوريون" أعادت تلك العبارة وهي تقول "لقد مر زمن طويل دون أفكر بكوني سورية، مالذي جاء بك في طريقي حتى تعيدني إلى ذلك المكان المنسي من حياتي؟" قالتها وكأنها تسأل نفسها،
كنت أريد أن أجيبها بكوني أملك فهماً مغايراً لما يسمى بالوطن وقضية الانتماء، لكن سخرية الفكرة جرتني إلى قول ما هو اشد من ذلك، لا ادري كيف اصف ردة فعلها عندما سألتها "ومنذ متى لم تقولي نحن الدروز؟؟"
"نحن الدروز؟" ردت بنبرة ساخرة،
" دعك من الدروز؟؟ يكفي انك سوري ولا أنصحك بأن تكون درزياً فوقها"
"ليس بيدي أن أختار" هذا ما قلته عندما فتحت فمها على أوسعه لتعلن دهشتها من اكتشاف أنني درزي أيضا
"يالسخرية القدر" تلك العبارة التي سمعتها تكررها كثيراً منذ لقائنا الأول، أصبحت تحمل فكرة لقائنا، يالسخرية القدر، وهل يسخر القدر منا؟
"اسمعيني،" قلتها وكأني أريدها أن تخرج من دهشتها تلك، "اسمعيني، أنا كنت مندهشاً مثلك عندما اخبرني والدك عن مسقط رأسه وكانت دهشتي اكبر من دهشتك، ولم استطع أن أقول له بأني ابن تلك الضيعة التي راح يحدثني عنها،"
"أنت من ضيعتنا أيضاً" صرخت في وجهي كمن اكتشفت شيئاً كانت قد أضاعته منذ زمن بعيد، صمتت بعدها ولم تتكلم بأي حرف، نظرت إلى وجهها ولم استطع أن اكتشف ماهية مشاعرها في تلك اللحظة، لم تظهر عليها أي علامات غضب أو فرح، لم تكن مندهشة ولم تكن هادئة، كانت تنظر إلي فقط، وأنا انظر إليها،
.
.
0 comments:
Post a Comment