-4-
أعترافـــات
شيء ما قد تغير في ذلك اللقاء، صوتها، لون عينيها، كل مايمكن أن ألاحظه فيها قد اخذ له شكلاً مغايراً عن ما رأيته فيها عند لقائي الأول بها، رنا المضيفة المبتسمة أصبحت أمامي الآن رنا الإنسانة من دم ولحم، تحدثنا عن أشياء كثيرة في ذلك اليوم، أخبرتها عن لقائي الأول بها في مطار سنغافورة في صالة التدخين وكيف لفتت انتباهي بشكلها المألوف لدي، ثم لقائها على متن الطائرة وصدفة تعرفي على والدها ابن ضيعتي، رحت اسرد عليها تفاصيل ذلك اليوم رغم انه عشناه معاً على نفس الطائرة لكنها لم ترفض الاستماع أو تمله، كانت تراقبني وأنا اسرد الكلمات، تنظر في عيني تارة وإلى يدي اللتان كانتا تتحركان بطريقة عشوائية تدل على الفرح والسرور،تحدثنا ساعات طويلة حتى كادت أن تنسى موعد الرحلة التي بانتظارها لولا اتصال إحدى صديقاتها المضيفات التي كانت تنتظر وصولها، فغادرت المقهى مسرعة وهي تبتسم كعادتها.
لا أذكر كل تفاصيل الأحاديث التي تناولناها في تلك الجلسة ولكني لا استطيع أن أنسى ردة فعلها على كلمة "مطلقة" عندما لفظتها أمامها فقد كانت سبباً قوياً لتوقفني عن متابعة حديثي لتسألني: "من قال لك أني مطلقة؟"، أحسست بالارتباك عندها وقلت لها "لا أحد فأنا اكتشفت ذلك لوحدي، فأنتي لا ترتدين خاتم الزواج في يدك!!"
لا ادري كيف اصف ردة فعلها على جوابي، كانت متوترة وتحاول أن تتمالك نفسها، حاولت أن استفهم منها ما المشكلة مع الموضوع، وأخبرتها بأنه كان مجرد استنتاج لايعني شيئاً بالنسبة لي،
"أعرف، أعرف،" قالت لي ذلك وتابعت حديثها:" يزعجني كثيراً هذا الموضوع، لاتفهمني بشكل خاطئ، ليست قضية الطلاق، هي لاتزعجني بحد ذاتها، فالطلاق في هذا المكان شيء مختلف عن الطلاق في المجتمعات الشرقية، لاتزعجني كلمة مطلقة أبدا، لكني اعتقدت أن أبي قد أخبرك بأني مطلقة وهي عادة يفعلها كثيراً مع الأغراب"
"ما المزعج في قوله أنك مطلقة إذا كان الطلاق لا يشكل لك مشكلة؟ سألتها مستغرباً وانتظرت منها أن ترد على كلامي ولكني لم أكن أتصور أنها سترد بتلك الضحكة العالية، "لماذا تضحكين؟" سألتها مستغرباً
"أعرف انك ستستغرب كلامي ولكن اسمعني، أنا لست مطلقة أبدا" قالت تلك الكلمات وهي تعرف أني سأصاب بدهشة لما تقوله، ولكنها سارعت بالإجابة على تساؤلاتي:
"أبي يحب أن يقول للناس بأني مطلقة لأنه لايريد أن يخبرهم بأني أم لابنة غير شرعية من وجهة نظره، نعم، لا تستغرب، فابنتي ميرا هي نتيجة لعلاقة مع شاب أحببته منذ زمن بعيد وأثمرت تلك العلاقة عن ميرا الجميلة، ولكن علاقتنا لم تستمر لمرحلة الزواج، وبالتالي أنا أم عزباء ولست مطلقة، و هذا هو الواقع ولا يحتاج إلى مبررات أو تأويلات"
"أم عزباء!!" رددت تلك الكلمات ورائها وأنا لا اعرف كيف اصف دهشتي لها من ذلك الحديث الذي بدا بعيداً جداً عن القصة التي تخيلتها حول موضوع طلاقها ورحت اخبرها كيف أني تخيلت أنها قد أجبرت على الزواج من شخص لا تحبه لمجرد انه شاب درزي كي لا يسمحوا لها بالارتباط من شاب استرالي وكيف عانت من ذلك الزواج وانه انتهى بعد اكتشافها خيانة زوجها لها، لم أكن أتخيل كل ذلك البعد بين افتراضاتي والواقع الذي تخبرني عنه،
"مستحيل،" ردت على كلامي، وتابعت بالقول: "من سابع المستحيلات أن أتزوج من شاب لا أحبه، كيف خطر ببالك تلك القصة الكلاسيكية، أبي وأمي لا يفكران بتلك الطريقة، ولم يربوني على مفهوم الطائفة كما تعتقد، أبي يعمل أستاذا جامعياً منذ قدومه إلى استراليا، وحياتنا مرتبطة كثيرة بالمجتمع الأسترالي هنا، لم يكن لدينا الكثير من الارتباطات مع الدروز ولم يكن أبي يسعى أن يضعنا في ذلك الإطار، ولكن لايمكن إخفاء الكثير من التغيرات التي ظهرت في وقت لاحق على تصرفاته باتجاه العلاقة معهم دروزاً وسوريين ومع تقدمه بالسن أصبح أكثر تقرباً وتعلقاً بهم "
كانت تسرد تلك التفاصيل وأنا بدأت أخجل من الفكرة التي كنت احملها عن أبوها بأنه رجل درزي كلاسيكي، ومنعني خجلي من الاستفسار عن المزيد من التفاصيل ولكنها شعرت بتلك الاستفسارات فبدأت تسرد علي القصة من أولها:
"لا أدري أي خيالات جرت في رأسك حول عائلتنا، لكن استمع لقصتي من البداية، التي لا اذكر الكثير عنها، لأني كنت طفلة حينها، لكني اعرف أن أبي الحائز على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث من جامعة فرنسية وعاد إلى سوريا ولكن لم يكن هناك من يعترف بأهمية شهادته ولم يحصل على المكان المناسب له هناك ولذلك سعى إلى عقد عمل مع إحدى الجامعات في استراليا التي رحبت بشهادته وسارعت لإتمام جميع متطلبات السفر له، كان سعيداً جداً بتلك الجامعة، منذ وصولنا إلى استراليا أقمنا في ملبورن حيث مكان الجامعة، حاول أبي في البداية أن يتقرب من أصدقائه الدروز الذين كانوا قد سبقوه إلى استراليا لكنه اكتشف سريعاً أن معظمهم يميلون إلى العزلة والانطواء عن المجتمع الاسترالي وأنهم يشكلون مجتمعهم الدرزي فقرر أن يبتعد عن تلك الأجواء ويدعنا نعيش حياتنا الطبيعية بين الاستراليين، لم يكن يسعى ليحد من أية علاقة أو ارتباط مع ذلك المجتمع المتمدن الحديث والمنفتح على الأخر، لكنه في النفس الوقت حاول الحفاظ على علاقة جيدة مع الدروز ومع من اكتشف حسن جواره من السوريين، كانت حياتنا جيدة ومستقرة، لم يملك أبي أطفالا غيري، كنت وحيدته ومدللته، ليس لدي الكثير من التفاصيل عن تلك الفترة لأقصها عليك، لكن مشاكلي معه بدأت عندما قررت أن استقل بنفسي بعيداً عنهم، وان أتخذ لي منزلاً مستقلاً، كان ذلك في الفترة التي قررت فيها دراسة الجامعة في مدينة أخرى، في ذلك الوقت فقط شعرت بشيء غريب في تصرفاتهم، بدأت أكتشف أن جزءاً كبيراً من تراثهم القديم لم يزل يختبئ في مكان ما تحت ملابسهم، لم يكن يسيطر على حياتهم اليومية بالطبع لكنه كان يسيطر على تصرفاتهم على المدى البعيد، كان موقفاً من الصعب تفهمه، حاولوا منعي بالكثير من الطرق، لكن عنادي كان اكبر من محاولاتهم"
"شيء طبيعي"، قلت لها ذلك في محاولة مني لمجاراة قصتها التي تابعت في سردها دون توقف
"لا أخفيك أني في بداية الأمر تخوفت كثيراً من الخطوة التي أقدمت عليها بسبب رفضهم الشديد وهو مازرع الخوف بداخلي من خسارتهم، ولكني كنت اعتقد بأني اتبعت الطريق الصحيح في حياتي وهو مادفعني للاستمرار بطريقي الذي اخترته، كل شيء كان يجري مثلما رسمت له، التحقت بالجامعة لأدرس الفنون، استأجرت منزلاً صغيراً مع صديقة لي، وكنت اعمل في إحدى المحلات الكبيرة لبيع الملابس وكان الدخل يغطي مصاريفي ويزيد أحيانا، كانت السنة الأولى من الجامعة عادية كلها دراسة وعمل وبعض النشاطات المتناثرة هنا وهناك، وفي إحدى الحفلات التي أقامها أصدقاء من الجامعة تعرفت إلى شاب أسمه مانويل يدرس معي في نفس الجامعة، كانت لديه مواصفات الشاب الذي تحلم به كل فتاة، كان يمثل كل ما أحبه في الشباب، وبسرعة خاطفة تطورت علاقتنا وانتقلنا للسكن معاً، أعترض أبي أو أمي علاقتنا ولكنهم رضخوا تحت إصراري وقد ساعدني أني أخبرتهم بأننا كنا قد عقدنا العزم على الزواج بعد التخرج من الجامعة، لكن كما تعلم لا تسير الحياة على الخطط التي نرسمها دوماً وكانت قد خبأت لنا مفاجأة كبيرة، مفاجأة حملي بابنتي ميرا كانت نقطة فاصلة في كل شيء بحياتي، لا أدري مالذي جرى في ذلك اليوم الذي أخبرته بأني حامل، فبدأ كالتائه تماماً، كل شي قد تغير لحظتها، تغير كل شيء بعد كلامه عن إجهاض الحمل بأسرع وقت، لأنه لايريد أن يحمل مسؤولية الطفل قبل أن ينهي الجامعة ويجد لنفسه عملاً يعيل به العائلة، سأصدقك القول بأن كلمة إجهاض تلك كان لها وقع غريب على مسمعي، صرخت به حينها كما لم اصرخ من قبل، رفضت حتى فكرة مناقشة الإجهاض، كنت اعتقد أن من واجبه أن يتحمل مسؤولية الطفل مهما كانت الظروف،
طردته يومها من المنزل وطلبت منه ألا يعود قبل أن يفكر في حل أخر غير الإجهاض، لم يعد أمامي أحد ألجأ إليه لمساعدتي غير أبي ولم تكن المفاجأة في ردة فعله على الموضوع ولكن كانت شدة ردة فعله اكبر بكثير مما كنت أتخيل، فبعد أن لجئت إليه لأسأله العون طردني بدوره من المنزل وهو شيء لم أكن لأفهمه، طردني بعدما أخبرني انه لن يتحمل معي نتيجة تركي للمنزل وعدم الاستماع لنصيحته، يومها أحسست بأنه ينتقم مني على كل مافعلته وعلى تركي المنزل، خرجت مكسورة لا اعرف أين أذهب في البداية، لكن سرعان ما اكتشف إنني بحاجة لأن أتابع حياتي واني بحاجة لأن اعتمد على نفسي، عدت لمنزلي وأنا اعرف بأني قادرة على تحمل مسؤولية الطفل لوحدي، استمرت حياتي في البداية هادئة بين الجامعة والعمل مع زيادة مشقات الحمل مع اقتراب موعد الولادة، ولكن في الشهور الأخيرة للحمل تزايدت المشاكل، ولكن شكلت عودة مانويل المفاجأة إلى حياتي في تلك الأيام كانت أجمل هدية أرسلتها لي السماء، عاد ليطلب مني السماح واخبرني بأنه ترك الجامعة وقرر الالتحاق ببرنامج تدريبي على الطيران وانه يريد أن يصبح طياراً وان سنتين من التدريب ستؤهله لذلك وبأنهم سيعطونه راتباً جيداً خلال التدريب، فرحت كثيراً لوجوده إلى جانبي أثناء الولادة، وكنت في قمة سعادتي في تلك الأيام بابنتي التي أسميتها ميرا وبوجوده إلى جانبي، وآخذنا نحلم سوية بالعائلة التي سنشكلها وبالمنزل الذي سنبنيه ليضمنا معاً، كان من المفترض أن تكون حياة سعيدة لنا جميعا، ولكن سخرية الأقدار تعود لتلعب لعبتها ثانية معي، فمع بداية تدريباته العملية على الطيران ظهرت لديه مشكلة طبية، وبعد عدة تحاليل طبية اكتشفنا انه قد أصيب بخلل وضيفي في كليتيه نتيجة تدريبات الطيران وهي حالة نادرة، ولكن الوضع أصبح صعباً جداً مع توقف كليتيه تماماً عن العمل، وأصبح بحاجة لعملية غسيل دائمة لكليتيه لحين العثور على متبرع، كان وضعا صعبا على الجميع، أنا لا املك المال ولا العمل المناسب وهو خسر كل شيء وعاجز من الناحية الصحية عن ممارسة أي عمل، ميرا الصغيرة بحاجة لرعاية وبحاجة لعائلة تربى في كنفها، كانت أمي هي المنقذ لي في تلك اللحظة عندما فاجأتني بيوم من الأيام وعرضت علي آن تساعدني في رعاية الطفلة بينما ابحث لنفسي عن عمل، وهكذا قادتني الأقدار لأصبح مضيفة طيران، وأنا أمارس هذا العمل منذ ذلك الحين، وأمي تربي ابنتي التي ألقاها غالباً بين الرحلات وفي أيام الأعطال، أما مانويل انتقل للعيش في مدينة ثانية في منزل آخته التي تساعده على القيام ببعض الأعمال التي يكسب منها عيشه وعلى متابعة العلاج الضروري له، لكن الخسارة الأكبر في تلك القضية كانت خسارة أبي، أبي الذي طردني يوماً عندما لجئت إليه لم يعد أبي الذي أعرفه، صحيح أننا تصالحنا بعدها ولكن شيء ما انكسر بداخلي تجاهه ولم يكن من السهل إصلاحه، أحاول كثيراً أن أغفر له لكن الموضوع ليس بيدي، هو يعرف ذلك ولكنه يحاول جهده أن يعيد الأمور إلى مجاريها وأنا أتصرف على ذلك الأساس لكن ما في القلوب يبقى في القلوب."
أنهت كلامها وهي تحاول مسح بعض الدموع من عينيها، أمسكت بيدها في تلك اللحظة، ورحت امسح دموعها بيدي الأخرى، اجتاحتني رغبة كبيرة في أن أضمها وأشدها إلى صدري، أي حياة قاسية كانت قد عاشتها، من كان يعرف أن كل تلك المعاناة تكمن وراء تلك الضحكة التي لا تفارقها، كنت انظر إليها دون أن أقوى على الكلام، لكني شعرت بحاجتها لأن تستمع لي بعد كل ما قالته،
"هل تعرفين؟" سألتها وأكملت دون أن انتظر منها الإجابة، "كنت قد تخيلت لك حياة فيها الكثير من المأساوية لا اعرف لماذا ورغم أن السيناريو الذي تخيلته يحمل الكثير من الظلم لكن ما أخبرتني إياه الآن لا يقل عنه مأساوية، لكن هل تعرفين الفرق؟"
نظرت إلي متسائلة وكأنها تنتظر أن أكمل الحديث، فأكملت كلامتي:
"الفرق إن ما تخيلته أنا مبني على ظلم لحياة لم تختاريها بنفسك ولكن اختاروها لك، لكن في الواقع أنت اخترت حياتك وتحملت نتيجة اختياراتك"
"آها، وأين الفرق في ذلك؟" سألتني ثانية
"لا أدري" أجبتها، " لا اعرف أين يكون الفارق في المواجهة مع الحياة بين أن نختار حياتنا أو أن يفرض علينا حياتنا، لكن بالتأكيد هناك فروق"
كنت أحاول الإجابة على سؤالها لكن ضحكتها التي انطلقت وقتها جعلتني أتوقف، نظرت إليها وأنا سعيد بعودة الضحكة إلى وجها بعد كل تلك الأحاديث، ضحكت طويلا ثم سألتني: "هل تعرف لماذا اضحك؟" رفعت رأسي نافياً بأني أعرف ،
قالت "أنا اضحك على طريقتك في محاولة فلسفة كل الأشياء، وكأن الأشياء بحاجة لمفاهيم ونظريات تقوم عليها، لا ياصديقي لاتفكر كثيراً فالحياة تسير غير عابئة بتفسيراتك وتعليلاتك، لن يكون هناك مايغير مجرى الحياة لو تغير فهمنا لها"
أردت أن أرد على سؤالها ولكنها سارعت لتغيير الموضوع، قالت "اخبرني عن نفسك، أريد أن أنسى من أنا قليلا، "
"أخبرك عن نفسي ؟ عن نفسي؟ لا اعرف ما أقوله لك بعد ماسمعته الآن، من أنا!، أنا لا احمل في حياتي أي معاناة، كل الأشياء في حياتي كانت سهلة وعابرة، الصفة الأهم في حياتي كانت غربتي، فأنا أعلنت غربتي منذ نعومة أظفاري، تركت وطني قبل أن يتركني"
"هل هاجرت أنت أيضا؟" قطعت حديثي سائلة،
"لا، لا، لم أهاجر من وطني، غربتي كانت شيء مختلف، كانت غربة في داخل الوطن، غربة تقوم على فقدان الانتماء لكل ماهو حولك، تصبحين في عالم أخر غير العالم الذي تقيمين فيه، يمكنك أن تقولي أصبحت حياتي دون انتماءات"
"لم أفهم، دعك من فلسفة الأمور، أخبرني عن نفسك دون فلسفة ومصطلحات ودع لي تحليل الأمور" سألتني وهي تشعل سيجارتها،
"قبل أن أخبرك قصتي، هل تشربين شيئاً مع سيجارتك؟؟"، سألتها وكأني أحاول أن أبحث لنفسي عن فرصة لأجمع بها شتات أفكاري المتناثرة على مد سنين عمري التي فاقت الثلاثين بخمس سنوات،
"حسناً، مارأيك بالقهوة التركية" أجابت مسرعة حتى لاتفوت على نفسها وقت الاستماع،
انتظرت قليلاً حتى مرت بجانبي الفتاة التي تتنقل في خدمة الزبائن، وطلبت منها أن تحضر لنا فنجانين من القهوة التركية، ورحت انظر إلى رنا متمعنا بوجهها المتشوق إلى سماع ما سأرويه، أردت أن اعبث معها قليلاً محاولاً أن أطيل عليها الوقت قبل أن أبدأ بالحديث، لكن شيئاً ما منعني عن ذلك،
"رنا, متى كانت أخر زيارة لك لسوريا؟؟" سألتها لأعرف كم من الأشياء تعرف عن ذلك المكان الذي ولدت به، لكن جوابها كان مفاجئاً ولم أتوقعه، لم تكن قد زارت سوريا أبدا بعد هجرتهم منها، ولا تستطيع أن تتذكر شيئاً عنه من أيام طفولتها، قالت لي ذلك دون إظهار لأي مشاعر، وكأن ذلك الوطن لايعني أكثر من اسم أو موقع على الخريطة بالنسبة لها، لم انتبه متى وضعت الفتاة فنجان القهوة على الطاولة بينما كنت غارقاً في أفكاري، أمسكت بالفنجان وأخذت رشفة كبيرة منه، قلبتها في فمي في محاولة لامتصاص النكهة القوية فيها، وعدت للكلام بعدها،
"ألا تعرفين سوريا؟" قلت لها وأنا أفكر كيف سأقص عليها قصتي دون أن أمر على ذكر ذلك المكان الذي يتوسط خريطة العالم مما جعله "منطقة تصارعت القوة العالمية للسيطرة عليه" تلك عبارة لازلت أحفظها عن ظاهر قلب، عبارة جعلت من الوطن شيئاً أكبر مما يمكن له أن يحتمله، ذلك الوطن لايحتمل صراعات إقليمية ولا نزاعات عالمية لكنهم حملوه فوق مايحتمل، "اسمعي ياصديقتي، سوريا، هي قصتي التي بدأت قبل أن أولد، قصة الوطن الذي ذبح بأيدي أهله في محاولة لمنع ذبحه على يد الغرباء، "الوطن في منطقة صراع عالمي، الكل يريد السيطرة عليه" هي قصة تربينا عليها، من لايعرف إن الاستعمار يطمع في كل البلدان، هل هناك بقعة في هذا العالم لم يحتل من قبل مستعمر، هل تستطيعين أن تعطيني وطناً لايملك عيداً للاستقلال يحتفل به كل عام، كل الأوطان احتلت من قبل المستعمرين وكل الأوطان ضحت بالملايين لتتخلص من الاستعمار، السيطرة والاستعمار والاحتلال تشكل سيرة لا تنتهي في تاريخ الشعوب، ويبقى النضال هو السمة الأعظم التي توحد العالم كما توحده فصول السنة بتتابعها الأزلي، لاتستغربي ياصديقتي، انتظري قليلاً وسأقول لك أين أريد الوصول بك مع كل هذا الكلام، فكل الأوطان تحررت، كل الأوطان عادت أوطان لأهلها، وأصبح عيد الاستقلال هو الذكرى الوحيدة التي تذكرهم بالاحتلال والاستعمار، لكن في وطننا ياصديقتي لم يرحل الاحتلال، تلك قضية جداً بسيطة، لأن الوطن ياصديقتي تحرر من الاستعمار ولكنه أحتل من قبل أهله، تتساءلين كيف تم ذلك؟؟ لقد تحرر الوطن ولكن كيف يقوم الوطن بدون مواطنين، المواطن يشكل بنية المجتمعات التي تشكل وطناً في النهاية، الانتماء إلى الوطن هو مايشكل الوطن، لكن كيف يكون الوطن وطناً عندما يندمج الناس في جماعات وطوائف وملل، وكيف تتشكل الأوطان في ظل مجتمعات تنتفي الفردية الشخصية فيها لتذوب في جماعات دينية وطائفية أو عرقية، جماعات وطوائف تخاف من بعضها البعض، وكل طائفة تسعى للسيطرة على الأخر لأنها إن لم تفعل ذلك قبله سيسيطر هو عليها بدوره،كيف يقوم الوطن على شعار "إن لم تتغدى به سيتعشى بك"،
لاتستغربي كلامي، فكل الانقلابات العسكرية بعد الاستقلال تخبرنا أن السيطرة كانت لمن يملك القوة، وأن كل محاولات تشكيل الوطن قد جرى وأدها في المهد، وأن كل جماعة قامت بدورها بتجميع قواها لتأخذ دورها في السيطرة على الأخر، كل الجماعات في وطني ساهمت في وأد ذلك الوطن ومحو هويته، كل الطوائف لعبت دور الضحية يوماً كما مر عليها أيام كانت تلعب دور الجزار، ذلك كان هو وطني الذي ولدت به، وشاءت الصدفة فقط أن أكون من طائفة الدروز، ولكني اعرف انه لم تكن لتختلف القصة لو ولدت في طائفة أخرى، فالكل عاش تسلسل الأحداث وإن اختلف التوقيت فيما بينهم،لقد ولدت في عائلة درزية لا تملك في الحياة سوى فقرها وانتمائها للطائفة، ولكن لو سألتني كيف كانت تنتمي أسرتي للطائفة فسأريك تلك الصورة القديمة التي تظهر الأب المغوار في مغاوير الدروز أثناء مشاركتهم في السيطرة على الحكم في سوريا ولا أخفيك كم كنت اشعر بالفخر في صغري كلما نظرت إلى تلك الصورة وأنا أرى أبي يرتدي ملابس الفدائيين ويحيط نفسه بمخازن الرصاص، كنت أظن أن أبي شخص مختلف ومميز عن جميع أباء الأطفال في حارتنا، و لك أن تدركي ياصديقتي أي خيبة أمل أصابتني عندما اكتشفت إن كل الأطفال كان لديهم صور مثل تلك في بيوتهم وأن كل الآباء كانوا في تلك الأيام مغاوير ومحاربين ومقاتلين في جماعات وجيوش تمتد على امتداد جغرافيا ذلك الوطن الأسير لدى طوائفه، لم تكن تلك أول خيبات الأمل في حياتي ولم تكن أخرها، انتظري وستستمعين إلى الكثير من خيبات الأمل، وطني ياصديقتي هو وطن حملناه أكثر مما يحتمل فرد علينا بدوره بأن جعلنا نتلقى خيبتنا الواحدة تلو الآخرة أملاً في أن نصحو يوماُ من غرورنا وكبريائنا وأن ندرك كم كنا أغبياء في ظلمنا له.
هل تعرفين أن أكثر ما يحيرني في ذلك الوطن هو ما يحمله من تناقضات، تناقضات تبدأ ولا تنتهي، بالنسبة لي كان يوم ولادتي هو بداية تعرفي على تناقضات ذلك الوطن، فكيف لا اشعر بتناقض لحظة الولادة لطفل سوري يولد داخل مخيم للاجئين الفلسطينيين في إحدى ضواحي دمشق العاصمة، فمنذ البداية ولدت لاجئاً في وطني، لافرق بيني وبين اللاجئين الفلسطينيين، تربيت في ذلك المخيم بينهم وتحدثت اللهجة الفلسطينية مثلهم، أكثر ما استغربه في ذكرياتي عن تلك المرحلة أنني كنت احمل نفس شعورهم بخسارة فلسطين وطني، نعم، لم يكن هناك من يجروء على مناقشة فكرة إني سوري ولست فلسطيني وان سوريا هي وطني، كيف أكون سوريا وأنا هناك أعيش بين الفلسطينيين وابكي على تلك القرى الفلسطينية وأنا استمع إلى قصص الشيوخ في المخيم التي يرونها لنا عن فلسطين وعن بيارات البرتقال والليمون، يافا وعكا وحيفا أسماء مدن تعودت أذاني على سماعها، القدس تلك المدينة التي كان يلفها سحر خاص ، كان يرهبني ذلك الغموض الذي كان يحيط بتلك المدينة التي يحلم كل من حولي بزيارتها، كانت أسماء المدن الفلسطينية أكثر ألفة إلي من أسماء المدن السورية، لم أكن اسمع عن الحسكة ولا عن دير الزور حتى الرقة وادلب تعرفت على تلك الأسماء في مرحلة متقدمة من دراستي في المدرسة الابتدائية، لكن قبلها كان الوطن مختصر بكل ما يدور حولي وما أعيشه يومياً، أليس ذلك هو الوطن ياصديقتي؟، صدقيني لو قلت لك أن خروجنا من ذلك المخيم شكل لي أول ملامح غربتي وأول هجرة عرفتها في طفولتي، في تلك الأيام كانت انتهت صراعات طويلة على الحكم، كانت فئة واحدة قد سيطرت وأعلنت سيطرتها بالقضاء على كل مكامن القوة التي يمكن أن تهدد استمرارها، وأعلنت أن من يريد البقاء عليه أن يخضع لها، يومها اختفت كل صور المغاوير الدروز عن الجدران، وانتهى بها المقام في صناديق خزفية إلى جانب الكثير من الذكريات، وكم ستكون فكرة الخضوع مؤثرة عندما يختارها الأب الذي يشكل مثلنا الأول في الحياة، لماذا لم يختر الفرار أو السجن او الموت، لماذا اختار الخضوع!! هذا أمر تعلمت مع الزمن تقبله من أب يملك عائلة وثلاثة أطفال ولا يملك قضية يحارب من اجلها، خيبة أمل أخرى كان لابد لي أن أتقبلها ولكن ليس صعبا على الطفل التأقلم مع وضعه الجديد وهو يرى نفسه في مكان يمتلئ بالأطفال من حوله وكل منهم يحمل سمات الخيبة والضياع، "أبي يملك فرد كبير" هكذا كان يحاول احد الأطفال الافتخار بوالده أمام بقية الأطفال ولكن سرعان مايرد عليه طفل أخر: " أبي يملك بارودي كبيرة"، ولكن طفل أخر يرد على الاثنين معاً " أبي عنده دبابة كبيرة!"، كانت تثيرني كلمة "كبيرة" كثيراً واستغرب لماذا يجب أن تكون البارودة أو الدبابة كبيرة، أم لعلها مخيلة الأطفال التي لاتعرف معنى لهول الأشياء لو لم تكن كبيرة، كانت مجرد قصص أطفال لكنها أوضحت لي صفة المكان الذي انتقلنا إليه، إننا محاطون بالعسكريين من كل جانب، كل من كان في حينا الجديد هو من العسكر، عسكر ببدلات خضراء وآخرين ببدلات مبرقعة بالبني والأخضر، وبعضهم ببدلات صفراء كلون الصحراء، لم اعرف حينها لماذا احتل هؤلاء العسكر تلك المساحات الخضراء من غوطة دمشق وراحوا يبنون عليها مساكن لهم ولعائلاتهم، ألاف الدونمات الزراعية تحولت في فترة قصيرة إلى مناطق سكن للعسكريين بجميع طوائفهم، البعض لازال يسميها حتى الان بمناطق مخالفات، محاولاً الالتفاف على السبب الرئيسي لتكون تلك التجمعات، لأنها كانت وجدت بناء على توحيد صفوف الجيش وإعادة تمركزه في مواقعه الجديدة حول دمشق لتحويل مجرى الحياة السياسية في سوريا إلى مجرى جديد لن تعود بعدها لما اعتادت عليه، كانت التجمعات التي تشكلت نتيجة إعادة دمج الوحدات المقاتلة في جيش نظامي تغاضت السلطة عن بناء منازلهم بذلك الشكل العشوائي المخالف والمدمر لمعالم المدينة التاريخية دمشق من اجل أن يستقر فيها مع عائلته وليكون جزء من التركيبة الجديدة للجيش الذي سيحتل العاصمة ولم يخرج منها بعد ذلك، كانت المرحلة تقتضي العمل بخطط اتبعتها الكثير من الدول الاشتراكية ولكن على مايبدو أن الاقتصاد السوري كان عاجزاً على تنفيذ تلك الخطة السياسية بالشكل الصحيح، نعم كان من الصعب على الاقتصاد السوري تنفيذ الكثير من الخطط التي خططت لها السلطة بمساعدة من الاتحاد السوفيتي السابق، لأن التخطيط في الدول الاشتراكية بشكل عام مثل الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا وكوريا كانت تملك اقتصاداً يبدو قادراً على تنفيذ الكثير من السياسات، ولكن الاقتصاد السوري لم يكن يملك هذه الميزة، واخذ ينوء تحت عبئ تلك السياسات، وأخذت مناطق المخالفات تتزايد وتنهار معها الغوطة الخضراء، الفقر الذي انتشر في تلك الأيام لم يكن له مثيل، اذكر أيام كنا ننام فيه بدون أي طعام، لاشيء سوى الخبز أحياناً وإن حالفنا الحظ فبعض البطاطا هي مايملئ معدتنا، ولم أكن استوعبت لماذا كان علينا أن نستمع إلى كل تلك المحاضرات في المدرسة عن الانتصارات والحرية والكرامة والوطن بينما نحن جياع، المدرسة ياصديقتي شكلت غربة جديدة لي في حياتي، كل ما فعلته في اليوم الأول لي في المدرسة هو أني هربت من إحدى الفتحات التي كانت في سور المدرسة، يومها رجعت إلى البيت وأنا ابكي وأصيح لا أريد العودة إلى المدرسة، لكن لم يكن هناك من يسمع صوتي، كان على العودة في اليوم التالي وفي الأيام التي تلتها، اثنتي عشرة عاماً وأنا أصيح لا أريد العودة إلى المدرسة ولكن في كل يوم أجد نفسي على نفس الطريق عائداً إلى ذلك المكان الذي يشبه السجون المؤقتة التي كانت تحتجزنا لعدة ساعات في اليوم وتدعنا نخرج في استراحة حتى اليوم التالي، في بداية المرحلة الابتدائية كانت لنا مدرسة بباحة كبيرة جداً كنا نركض فيها منطلقين، لكن مع مرور الوقت وارتفاع نسبة المواليد في سوريا وتجمع الناس في العاصمة، كان لابد من مدارس جديدة، كان قانون التعليم الإلزامي واحد من الخطط التي اتبعتها السلطة في سياستها ولم يكن هناك من الإمكانيات المالية لتنفيذها، اذكر حين ذهبا إلى المدرسة في احد الأيام اكتشفت بأنهم اقتطعوا ساحة المدرسة وتركوا لنا فسحة صغيرة جداً بالكاد تتسع لنا ونحن واقفين، بينما تحولت باقي الساحة إلى حفريات كبيرة لأساسات لثلاث مدارس جديدة كل منها تملك ساحة صغيرة جداً، التعليم يزداد والحرية تتقلص، ذلك هو شعار تلك الفترة، الفقر ينتشر والناس تدمر البيئة وتأكل الأخضر واليابس لتستمر على الحياة، وأنا هناك بين كل ذلك، طفل يعيش كل تلك التغييرات والتناقضات ولا يفهم، لم يكن يجد من يشرح له مالذي يحصل من حوله، كل ماكان عليه أن يفعله هو أن يتوجه للكتب والروايات ليتعلم وليعلم نفسه بنفسه، الثقافة دوماً كانت تشكل خطراً على الحكومات وكل محاولات القضاء على الثقافة باءت بالفشل على مر العصور، الكتاب ذلك السلاح السري الذي قوض حكومات وحكومات على مر التاريخ، انظري إلى كل تلك الحكومات في عالمنا لتعرفي إنهم إن كانوا يخافون أحدا فأنهم يخافون المثقفون والكتاب، في أيام طفولتي كانت الكتب الروسية المترجمة هي أكثر الكتب رواجاً، كتب مليئة بقصص انتصارات الأحزاب الشيوعية وانتصارات الحرب العالمية الثانية، الكثير من الأفكار التي كنت اقرأها ولا افهمها، لكن لم يكن هناك من حل بديل، قرأت الكثير من تلك الكتب حتى اكتشفت في يوم من الأيام ذلك التراث الروسي الأدبي الذي كان قد كتب قبل الشيوعية، الأدب الذي استطاع إن يسرقني من عالمي وينقلني إلى عالمه الخاص، كان أدبا أصيلاً لم تؤثر به السياسة ولا الحكومات، وقد كان الاتحاد السوفيتي ينشر ذلك الأدب ضاناً انه يسوق نفسه كحل للمشاكل التي رافقت تلك الحقبة من تاريخ روسيا، ولم يكن يعتقد أن من يستطيع آن يقرأ ذلك الأدب بتمعن سيكتشف أي خلل كانت الشيوعية قد سببته للمجتمع الروسي وكيف أن المجتمع الروسي كان سيسير على طريق التخلص من الشيوعية التي حلت بديلا للإقطاع والملكية الإمبراطورية ليحل محلها بنظامه الشمولي الغير قادر على حل المشاكل الحقيقية للمجتمع، لقد فتح لي الأدب الروسي الكلاسيكي مغارة علي بابا، وأصبحت أقرأ الوقائع بطريقة مختلفة، ولكن السلطة في سوريا كررت ماقام به الاتحاد السوفيتي بنشر التراث العالمي من خلال دور نشرها، لم يكن هناك تراث قديم خاص بنا نحن السوريين، التراث المتواجد كان تراث ديني طائفي لم تكن السلطة في تلك المرحلة جاهزة للسماح بنشره، ولذلك عملت على نشر التراث العالمي كبديل عن التراث المحلي، وهنا كانت فترة الغذاء الروحي الذي نهلت منه ليل نهار ولم ارتوي، من الأدب الفرنسي وثقافة الحريات والمواطنة إلى الأدب الانكليزي القديم والأدب الألماني، الأدب الأمريكي البراغماتي، الفلسفة كانت إحدى أهم المواضيع التي لم أمل قراءتها، الفلسفة العلمية ونظريات التطور والنسبية وعلم الميكانيكا الحديث والاتصالات، هي هجرة أخرى بدأتها في تلك المرحلة بعيداً عن مجتمعي، هجرة إلى عالم الثقافة والعلم بعيداً عن ما يحيط بي من مشاكل وفقر وعالم لا استطيع فهمه ولا التأقلم معه، المشكلة في تلك الهجرة إنها كانت في وقت لم يكتمل نموي الفكري بعد، فكيف لطفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره إن يقرأ مثل تلك الكتب، كانت كتب بحاجة لوقت أكثر من الدراسة وبحاجة لشخص أكثر نمواُ، وهو ماجعل من ثقافتي عرجاء ينقصها أشياء كثيرة، كنت كثير الاطلاع ولكن قليل الفهم والاستيعاب، الثقافة فصلتني عن الناس من حولي، وأبعدتني عن الأصدقاء وزملاء الدراسة، وأصبحت نظرتهم لي كمن ينظر لغريب عنهم،
وهكذا تستمر الغربة في نقلي من مكان لأخر، بينما كل شيء من حولي ينهار، انهار كل شي بعد انهيار أسعار الصرف لليرة وتحول الغلاء إلى وحش يفتك بالناس، لم يكن هناك مخرج أمام الحكومة وهي متورطة في حرب لبنان كطرف في تلك الحرب التي يوجد الكثير من التحليلات حولها وعن الدور الذي لعبته سوريا فيه، مئات الأسباب التي يمكن أن نرجع لها نشوء تلك الحرب، تلك الحرب التي علمتني أن الحروب وجدت لأن هناك من يريدها، وان الشعوب ستكون الوقود التي ستستنزف كوقود للحرب وعلى حسابها سيتم تحقيق أهداف الحرب، في تلك الفترة من الحرب كانت الأيام مختلفة عما سبقها، كان العسكر في حارتنا يشاركون في تلك ومعهم أبي الذي لم نعده نراه سوى نادراً، ولن نراه بعد ان أنتهت المواجهة مع إسرائيل وسقطت بيروت أسرع مما تصورنا، وخرجت منظمة التحرير من لبنان، أنتت الحرب ولكن بقي لبنان رهينة حتى زمننا هذا، بعدها أصبح لبنان مصدر لتهريب المواد الغذائية والدوائية والدخان والمشروبات الروحية وكل مايمكن حمله وتهريبه وبدأت تتشكل في المجتمع طبقة أغنياء الحرب والتي أخذت تنتشر في أمكنة عدة في دمشق وأصبحت لها أماكن خاصة وبيوت تميزها الحراسة المنتشرة من حولها وعدد السيارات الفارهة التي تقف أمام تلك المنازل، وبدأت تلك الطبقة بالحلول مكان الطبقة البرجوازية التي كانت قد اضمحلت وصغر دورها مع كل تلك الظروف التي منعتها من المنافسة مع المنتجات المهربة وانعدام المواد الأولية الضرورية لعملية التصنيع وتوقف عمليات التصدير ومنع الاستيراد من قبل الدول الرأسمالية، وانعدام الخبرات التي هاجرت ولم يبقى في سوق العمل سوى اليد العاملة الغير خبيرة والتي انتشرت للسيطرة على إدارة أدوات الإنتاج المتوفرة في البلد، وهكذا تم القضاء على إمكانية نشوء مجتمع مدني متطور وحل محله مجتمع عاجز يحوي الكثير من الخلل في بنيته وتركيبته"
نظرت إلى رنا وهي تستمع لكل تلك الأفكار وأنا اتلوها كبيان عليها، لم تتوقف عن الاستماع ولم تمل من الحديث، لكن صحن السجائر الذي أمامها والممتلئ كان يشير إلى عدد السجائر التي دخنتها في ذلك اليوم،
"هل تشربين المزيد من القهوة؟"؟ سألتها في محاولة مني للخروج من تلك الحالة التي أصابتني مع كل تلك الذكريات،
"نعم، لم لا، القهوة مشروبي المفضل!!"
لا أدري لماذا انتظرتها أن تقول المزيد، ولكنها اكتف بعبارتها تلك وعادت تنظر إلي وكأنها تنتظرني أن أكمل مابدأته من حديث، شعرت بثقل الحديث على نفسي، انتظرت لبرهة قبل أن أكمل قائلا "أرأيت، حياتي بسيطة وليس فيها الكثير لكي ارويه لك!!" لم أكد انتهي من عبارتي تلك حتى انفجرت بالضحكة، ضحكت طويلا حتى بدأت تنهمر بعض الدموع من عينيها،
"هل تعرف إن أكثر ما يعجبني بك هذا التظاهر الخبيث بالبساطة والبراءة، تحدثني عن كل تلك الأشياء لتنهي حديثك بأنه لا يوجد ما تحكيه عن نفسك، أي متواضع أنت، أريد أن اسمع القصة للنهاية، لقد أثرت في فضولاً لم يثره احد فيَّ منذ فترة طويلة، تكلم أيها الشيطان البريء،" أنهت عبارتها وهي تضحك من جديد،
"شيطان بريء!، أهذا ماترينه ؟؟، حسن اعرف أن مارويته يحمل الكثير من الأشياء بداخله، لكني كشخص كنت بعيداً عن تأثير تلك الأحداث، لا أخفيك إنني اختبأت في مكان ما بعيداً لأمنع تأثير المجتمع على حياتي، انفصلت عن مجتمعي الأول الدرزي وانفصلت عن مجتمعي الثاني دمشق، وبقيت خلف كتبي وقراءاتي، كانت قراءة الكتب هي كل ما أفعله، تعلمت مع الوقت كيف أتعلم الأشياء التي أريدها وكيف ابتعد عن الأشياء التي اكرهها، لم تعد المدرسة تثير سخطي، كنت أتعلم هناك الأشياء التي أنا بحاجتها لأكمل علمي وابتعدت عن كل النشاطات الأخرى قدر ما استطعت وإن كان بعضها مفروض علينا في المدارس، لاأدري متى كنت بدأت اكتشف عالماً جديداً من العلم وأخذ يسيطر على قراءاتي المجلات والكتب العلمية في تلك الحقبة، كان العالم في بداية ثورة جديدة، من الاتصالات والعولمة، فبدأت ادرس كل ماله علاقة بتلك العلوم، شدتني الطريقة التي تتجه إلها الدول المتقدمة في توجيه اقتصادها نحو تلك الشركات التي تدعم وتطور الأنظمة الالكترونية والاتصالية، وكنت أدرك أنها ستكون شركات رائدة في تغيير الطريقة التي يتصرف بها العالم من حولي، حولت كل جهدي لأصبح مهندس اتصالات، ناسياُ أن جزءاً مهماً من الحياة لم أعشه، كنت اشعر بذلك الفراغ الكبير داخلي، لكن لم يكن هناك ما يثنيني عن متابعة ما خططت له، لم أتأخر في دراستي ولم أضيع أي سنة من السنوات، أنهيت كل السنين بتفوق ونجاح، معدلي كان دوماُ من أعلى المعدلات، لكن الجامعة في سوريا كانت متأخرة كثيراً في مجال العلوم الحديثة والتطبيقية، فسعيت كثيراً للحصول على منحة للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد عدة مقابلات في السفارة حصلت على منحة ضمن برنامج للتعاون الثقافي، في البداية لم افهم ماتعني كلمة تعاون ثقافي بالنسبة للمنحة، لقد كنت أركز على الخروج للدراسة في أمريكا فقط، وهذا ماحصل، لن أحدثك عن تلك الأيام في أمريكا فهي موضوع أخر ربما أخبرك عنه لاحقاً، لكني تلكأت كثيراً في دراستي هناك واستنفذت كل سنوات المنحة التي اكتشف فيما بعد إنها تنص على إجباري للعودة إلى بلدي لمدة سنتين قبل أن أتمكن من العودة للولايات المتحدة، وكان ذلك بهدف أن أنقل العلوم التي تعلمتها إلى بلدي ضمن اتفاقية التعاون الثقافي التي أعطوني من خلالها تلك المنحة، نعم عدت بعدها لسوريا، بلدي الأم، وأنا احمل أعلى شهادة في مجال الاتصالات في العالم ومن إحدى اكبر الجامعات في مجال التكنولوجيا والعلوم، ما الذي جرى بعد ذلك؟ كانت مهزلة المهازل،السنتين اللتين كان لابد لي من البقاء فيها بعيداً عن الولايات المتحدة بهدف نقل علمي لوطني الآم، بقيتها في الجيش، لأن نداء الواجب هو ما استقبلوني به في المطار، نعم من المطار إلى العسكرية، وهناك عشت سنتين تكملان كل اليأس الذي اتسمت به حياتي، نسيت كل ما تعلمته بدلاً من أن أنقله لغيري، مرت السنتين وكل ما كنت انتظره هو لحظة مغادرة ذلك المطار ثانية، نعم انتهت السنتين، ولكن لا استطيع أن اصف لك ذلك الشعور الذي أصابني عندما بدأت أراسل الشركات في الخارج بحثا عن مخرج لي من ذلك الوطن، لا ادري كيف سيطر عليَّ شعور ما، بأني يجب أن أبقى، وبأنهم قد سلبوني كل حياتي ولم يبقى لي شيء سوى ذلك الوطن وبأنني لو غادرته فأني سأخسر أخر ما املك، نعم، كان شعوراً غريباً لم افهمه ولن افهمه فيما بعد، وعشت بعدها صراعاً كبيراً بيني وبين نفسي، انتهت كل تلك الصراعات مع بداية شركات الاتصالات بنشر شبكات الخلويّ حول العالم وبدأت أعمل مع تلك الشركات في عقود مؤقتة وانطلق عبر البلدان كلما توفر لي عقد جيد، واكتشفت أن تلك الطريقة حلت لي الكثير من مشاكلي، فقد وفرت لي الكثير الكثير من المال وفي نفس الوقت لم أهاجر بلدي، بل بقيت هناك، أعود مع نهاية كل عقد إلى دمشق، تلك المدينة التي أسرتني رغم ما اكرهه فيها، وها أنا الان في استراليا لعدة أشهر لن تطول قبل العودة إلى دمشق من جديد، هذه هي قصتي الطويلة القصيرة؟ فما رأيك؟".
"لا أدري ما أقول!!" قالت عبارتها وكأنها تفكر بشيء ما! ثم أكملت متابعة:
"أنت دائم السفر، أحس بأنك تتفهم حالتي في السفر الدائم، فأنا لا استطيع البقاء على الأرض لفترة طويلة، اشعر بأن هناك دائما شيء ما يناديني، عندما أكون في السماء تناديني الأرض وعندما أكون على الأرض اسمع السماء تناديني لكي أعود إليها، لقد اعتدت على تلك الحالة مابين الاشتياق لشيئين متناقضين ولا يمكن الحصول عليها في نفس الوقت، وعليك دوماً أن تختار احدهما، أية حالة صعبة تلك!!!"
"نعم، افهم ما تقولينه واشعر بك، لكن في نفس الوقت اشعر أننا من الناس المحظوظين في الحياة رغم كل شيء، فنحن نملك أكثر من خيار حتى مع كل تلك التناقضات، لازالت لديك السماء والأرض وما أرحبهما ليتسعا لك، بينما هناك الملايين الذين لا يملكون حتى التفكير في وجود مثل تلك الخيارات، نحن في حالة أفضل ياصديقتي وهذا ما يجعلني اشعر بالتفاؤل الدائم في حياتي"
نظرت إلى رنا وهي تستمع لكل تلك الأفكار وأنا اتلوها كبيان عليها، لم تتوقف عن الاستماع ولم تمل من الحديث، لكن صحن السجائر الذي أمامها والممتلئ كان يشير إلى عدد السجائر التي دخنتها في ذلك اليوم،
"هل تشربين المزيد من القهوة؟"؟ سألتها في محاولة مني للخروج من تلك الحالة التي أصابتني مع كل تلك الذكريات،
"نعم، لم لا، القهوة مشروبي المفضل!!"
لا أدري لماذا انتظرتها أن تقول المزيد، ولكنها اكتف بعبارتها تلك وعادت تنظر إلي وكأنها تنتظرني أن أكمل مابدأته من حديث، شعرت بثقل الحديث على نفسي، انتظرت لبرهة قبل أن أكمل قائلا "أرأيت، حياتي بسيطة وليس فيها الكثير لكي ارويه لك!!" لم أكد انتهي من عبارتي تلك حتى انفجرت بالضحكة، ضحكت طويلا حتى بدأت تنهمر بعض الدموع من عينيها،
"هل تعرف إن أكثر ما يعجبني بك هذا التظاهر الخبيث بالبساطة والبراءة، تحدثني عن كل تلك الأشياء لتنهي حديثك بأنه لا يوجد ما تحكيه عن نفسك، أي متواضع أنت، أريد أن اسمع القصة للنهاية، لقد أثرت في فضولاً لم يثره احد فيَّ منذ فترة طويلة، تكلم أيها الشيطان البريء،" أنهت عبارتها وهي تضحك من جديد،
"شيطان بريء!، أهذا ماترينه ؟؟، حسن اعرف أن مارويته يحمل الكثير من الأشياء بداخله، لكني كشخص كنت بعيداً عن تأثير تلك الأحداث، لا أخفيك إنني اختبأت في مكان ما بعيداً لأمنع تأثير المجتمع على حياتي، انفصلت عن مجتمعي الأول الدرزي وانفصلت عن مجتمعي الثاني دمشق، وبقيت خلف كتبي وقراءاتي، كانت قراءة الكتب هي كل ما أفعله، تعلمت مع الوقت كيف أتعلم الأشياء التي أريدها وكيف ابتعد عن الأشياء التي اكرهها، لم تعد المدرسة تثير سخطي، كنت أتعلم هناك الأشياء التي أنا بحاجتها لأكمل علمي وابتعدت عن كل النشاطات الأخرى قدر ما استطعت وإن كان بعضها مفروض علينا في المدارس، لاأدري متى كنت بدأت اكتشف عالماً جديداً من العلم وأخذ يسيطر على قراءاتي المجلات والكتب العلمية في تلك الحقبة، كان العالم في بداية ثورة جديدة، من الاتصالات والعولمة، فبدأت ادرس كل ماله علاقة بتلك العلوم، شدتني الطريقة التي تتجه إلها الدول المتقدمة في توجيه اقتصادها نحو تلك الشركات التي تدعم وتطور الأنظمة الالكترونية والاتصالية، وكنت أدرك أنها ستكون شركات رائدة في تغيير الطريقة التي يتصرف بها العالم من حولي، حولت كل جهدي لأصبح مهندس اتصالات، ناسياُ أن جزءاً مهماً من الحياة لم أعشه، كنت اشعر بذلك الفراغ الكبير داخلي، لكن لم يكن هناك ما يثنيني عن متابعة ما خططت له، لم أتأخر في دراستي ولم أضيع أي سنة من السنوات، أنهيت كل السنين بتفوق ونجاح، معدلي كان دوماُ من أعلى المعدلات، لكن الجامعة في سوريا كانت متأخرة كثيراً في مجال العلوم الحديثة والتطبيقية، فسعيت كثيراً للحصول على منحة للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد عدة مقابلات في السفارة حصلت على منحة ضمن برنامج للتعاون الثقافي، في البداية لم افهم ماتعني كلمة تعاون ثقافي بالنسبة للمنحة، لقد كنت أركز على الخروج للدراسة في أمريكا فقط، وهذا ماحصل، لن أحدثك عن تلك الأيام في أمريكا فهي موضوع أخر ربما أخبرك عنه لاحقاً، لكني تلكأت كثيراً في دراستي هناك واستنفذت كل سنوات المنحة التي اكتشف فيما بعد إنها تنص على إجباري للعودة إلى بلدي لمدة سنتين قبل أن أتمكن من العودة للولايات المتحدة، وكان ذلك بهدف أن أنقل العلوم التي تعلمتها إلى بلدي ضمن اتفاقية التعاون الثقافي التي أعطوني من خلالها تلك المنحة، نعم عدت بعدها لسوريا، بلدي الأم، وأنا احمل أعلى شهادة في مجال الاتصالات في العالم ومن إحدى اكبر الجامعات في مجال التكنولوجيا والعلوم، ما الذي جرى بعد ذلك؟ كانت مهزلة المهازل،السنتين اللتين كان لابد لي من البقاء فيها بعيداً عن الولايات المتحدة بهدف نقل علمي لوطني الآم، بقيتها في الجيش، لأن نداء الواجب هو ما استقبلوني به في المطار، نعم من المطار إلى العسكرية، وهناك عشت سنتين تكملان كل اليأس الذي اتسمت به حياتي، نسيت كل ما تعلمته بدلاً من أن أنقله لغيري، مرت السنتين وكل ما كنت انتظره هو لحظة مغادرة ذلك المطار ثانية، نعم انتهت السنتين، ولكن لا استطيع أن اصف لك ذلك الشعور الذي أصابني عندما بدأت أراسل الشركات في الخارج بحثا عن مخرج لي من ذلك الوطن، لا ادري كيف سيطر عليَّ شعور ما، بأني يجب أن أبقى، وبأنهم قد سلبوني كل حياتي ولم يبقى لي شيء سوى ذلك الوطن وبأنني لو غادرته فأني سأخسر أخر ما املك، نعم، كان شعوراً غريباً لم افهمه ولن افهمه فيما بعد، وعشت بعدها صراعاً كبيراً بيني وبين نفسي، انتهت كل تلك الصراعات مع بداية شركات الاتصالات بنشر شبكات الخلويّ حول العالم وبدأت أعمل مع تلك الشركات في عقود مؤقتة وانطلق عبر البلدان كلما توفر لي عقد جيد، واكتشفت أن تلك الطريقة حلت لي الكثير من مشاكلي، فقد وفرت لي الكثير الكثير من المال وفي نفس الوقت لم أهاجر بلدي، بل بقيت هناك، أعود مع نهاية كل عقد إلى دمشق، تلك المدينة التي أسرتني رغم ما اكرهه فيها، وها أنا الان في استراليا لعدة أشهر لن تطول قبل العودة إلى دمشق من جديد، هذه هي قصتي الطويلة القصيرة؟ فما رأيك؟".
"لا أدري ما أقول!!" قالت عبارتها وكأنها تفكر بشيء ما! ثم أكملت متابعة:
"أنت دائم السفر، أحس بأنك تتفهم حالتي في السفر الدائم، فأنا لا استطيع البقاء على الأرض لفترة طويلة، اشعر بأن هناك دائما شيء ما يناديني، عندما أكون في السماء تناديني الأرض وعندما أكون على الأرض اسمع السماء تناديني لكي أعود إليها، لقد اعتدت على تلك الحالة مابين الاشتياق لشيئين متناقضين ولا يمكن الحصول عليها في نفس الوقت، وعليك دوماً أن تختار احدهما، أية حالة صعبة تلك!!!"
"نعم، افهم ما تقولينه واشعر بك، لكن في نفس الوقت اشعر أننا من الناس المحظوظين في الحياة رغم كل شيء، فنحن نملك أكثر من خيار حتى مع كل تلك التناقضات، لازالت لديك السماء والأرض وما أرحبهما ليتسعا لك، بينما هناك الملايين الذين لا يملكون حتى التفكير في وجود مثل تلك الخيارات، نحن في حالة أفضل ياصديقتي وهذا ما يجعلني اشعر بالتفاؤل الدائم في حياتي"
0 comments:
Post a Comment