Sunday, January 2, 2011

12-طرقات

"على كل منا أن يشق طريقه بين الطرق التي يُدفع فيها، أو تلك الممنوعة عليه أو التي تُزرع بألأفخاخ تحت قدميه. فهو ليس ذاته دفعة واحدة ولايكفي بأن "يعي" ماهو عليه إنه يصبح ماهو عليه، لايكفي بـأن "يعي" هويته إنه يكتسبها خطوة خطوة ."  
أمين معلوف


كانت الساعات تمر بطيئة وثقيلة بأنتظار قدوم مانوئيل ولكني كنت احاول تجاهل ذلك الثقل المسيطر على الموقف، ولكنه لم يكن يخفى على رنا انني في حالة من السكون التي حاولت بدورها كسره بطريقتها ولكنها بدأت تفقد ثقتها بمقدرتها على الأنتقال من الحالة التي وصل إليها الموقف، ولم يكن عسيراً عليها في النهاية ان تكتشف انني بهدوئي اللامتناهي وحركاتي اللامبالية قد عزمت القرار على شيء ما، لكني لم اكن اصرح به، وهو مازاد من توترها وحدة الموقف بيننا،
كانت الساعة قد اقتربت من السادسة مساءً ونحن في المطار بأنتظار مانوئيل الذي هبطت طائرته منذ قليل، ولم اكن اتصور ان التوتر الذي اصابها قد يجعلها تنطق تلك الكلمات التي نزلت على مسمعي مثل الصاعقة
"أرجوك وائل، أرجو ان تعامل مانوئيل بشكل جيد، ليس له ذنب بكل ماجرى بيننا" هذا ماقالته وهي تحاول ان تمنع نفسها من البكاء،
شعرت بكرهي لما قالته لي، فهي تعرفني جيداً وتعرف انني لست ممن يسيء التصرف مع الناس مهما كان الذي بيننا، كنت اود ان اعاتبها على ماتفكر به ولكني اشفقت عليها وقررت ان اتجاهل ماقالته، ونظرت إليها محاولاَ طمأنتها، " لاعليك، سابذل جهدي في ذلك"
مسحت رنا دموعها التي بدأت تنساب وانطلقت بأتجاه مانوئيل الذي خرج لتوه من بين صفوف القادمين، في البداية لم اتعرف عليه فصحته قد تحسنت كثيرا بعد اجراء العملية وبدا لي شاباً جميلاً تكسو الضحكة وجه الممتلئ، فسارعت لمصافحته وانا ابادله الضحكة محاولة استراق النظر إلى الرنا لأعرف لو انها بدأت تشعر بالأمان تجاه تصرفاتي،

أثارني مانوئيل كثيرا بحماسته لرؤية المدينة التي حط بها للتو، وكيف بدأ ينظر متفحصاً كل شي من حوله بفضول كبير، بعكس رنا التي لم يكن لديها الرغبة في التعرف على المكان او حتى لم تطلب زيارة القرية التي هي مسقط رأس أبيها، ولكني لم ألح عليها بخصوص ذلك، فأنا ايضا لم يكن لدي الرغبة في تلك الزيارة ولكني وافقت مباشرة عليها عندما طرح مانوئيل الموضوع، بينما راحت رنا تتملل من الفكرة وتدعي بأن الوقت غير مناسب ولكنها رضخت بالنهاية للإلحاح الشديد الذي ابداه مانوئيل، 

عدة ايام مرت على وجود مانوئيل هنا، وكل ما أذكره من تلك الايام هي الطريقة التي تعاملت بها رنا معه، فقد استمرت تحيط به في كل تحركاته مثل أم ترعى ابنها الذي تعلم المشي لتوه، لم تكن رنا التي اعرفها، لا ادري متى وكيف بدأت ارى فيها وجه اخر غير الذي عهدته فيها، كانت تجلس بجانبه دوما مراقبة كل تصرفاته ولا تتوقف عن اسداء التعليمات والنصائح له، بينما كان هو يقابل تلك التوجيهات والتعليمات بكثير من الضحك والابتسام،
"لا تأكل من هذا الطعام، لا تكثر من السكر، انتبه الشاي ساخن، انتظره حت يبرد"، وقائمة طويلة من الأوامر التي لا تنتهي تصدرها على مانوئيل وقد بدأ يثير غيظي بردود افعاله الساذجة، في الطريق تمسك بيده، ولاتسمح له بالأبتعاد عنها، انتبه للسيارات، لا تقطع الشارع، لا تنزل عن الرصيف، وهكذا تحولت حياة مانوئيل إلى طفل صغير بين احضان رنا، وأنا غارقاً في افكاري طوال الوقت حول هذه العلاقة التي تربطهما وهي شكل للعلاقة لم يكن يخطر لي من قبل، واخذت اتسائل كيف لم ارى ذلك الجانب المسيطر من شخصية رنا من قبل، هل الحب يعمي لدرجة انك تفقد معه البصر او تتغاضى عن كثير مما تراه، حاولت كثيرا العودة بذاكرتي لكل اللحظات التي عرفت بها رنا لكني لم اتذكر تلك الشخصية فيها، مين اين ظهرت فجأة؟؟؟

انتظرت طويلاً حتى استطعت ان انفرد برنا، وسارعت بسؤالها عن الطريقة التي تعامل بها مانوئيل،"إنه ليس طفلا صغيراً لماذا تعاملينه بهذا الطريقة؟؟"
"عن اي طريقة تتحدث؟" اجابتني وهي تحاول ان تتهرب من الجواب،
"انت تعرفين عن ماذا اتحدث؟"
نظرت إلي لترى اصراراً في وجهي على معرفة جوابها، فقالت "أن مانوئيل خرج منذ فترة قصيرة من مرضه وهو ضعيف وبحاجة لرعاية خاصة!!"
ضحكت عندها كثيراً، ضحكت تلك الضحكة الساخرة التي تنطلق عاليا بطريقة فاجرة،
"لا ادري يارنا، لم اعد افهمك، لكني افهم ان مانوئيل بحاجة لرعاية خاصة لكن بالتأكيد ليس بحاجة لأن يعامل كطفل، صدقيني انت ستخسرينه لو لم تغيري طريقتك معه!!!"
ضحكت بدورها وعادت لتتفوه بكلمات لا تعجبني وليست في محلها، " هاهي القصة اذاً انت تغار من مانوئيل" قالتها وانا اتمنى لو لم تفعل،
كنت اريد ان ارد عليها ولكنني عدت ثانية احمل ذلك الشعور بالشفقة تجاهها، وعدت لصمتي من جديد،

مر الوقت بطيئاً وانا بدأت أشعر بالوحدة، كنت اعود للمنزل باكراً في كل يوم، اجلس لوحدي محاولاً القراءة او فعل اي شيء ينسيني الحالة التي انا بها، لم تعد القضية هي علاقتي برنا، فيبدو انني اتخذت قراري بأن اتوقف عن حبها، أعرف انكم ستقولون لي بأن التوقف عن الحب كما الوقوع فيه ليس قرارا، وبأنه حالة تصيبنا او ترحل عنا لكنه خارج عن منطقة الوعي فينا، ربما، ولكن قرراي بالتوقف عن حبها هو كل ما توصلت إليه بعد تفكير طويل، كانت الحالة التي تمر بها رنا تثير شفقتي وهنا كانت اول علائم انتهاء الحب، فأنا لا استطيع ان أحب هؤلاء المثيرين للشفقة، قد تكون مشاعري غريبة ولكنها تشكلت عبر خطوات عبرت بها من زمن لأخر، 

.... يبتع...

0 comments:

Post a Comment