13- فراغات
" أنا لا أهاجر مرتّين ... و لا أحبّك مرتين
و لا أرى في البحر غير البحر ...
لكنيّ أحوّم حول أحلامي .... و أدعو الأرض جمجمة لروحي المتعبة
و أريد أن أمشي .... لأمشي ..
ثم أسقط في الطريق " ... محمود درويش
بقي يوم واحد ونصل إلى لحظة تسافر فيها رنا مغادرة دمشق، لم اتصل بها في ذلك اليوم، كنت اجلس في المنزل دون ان افعل شيئ حتى سمعت طرقات على الباب ففتحت لها وانا لا اشعر بالمفاجئة لرؤيتها على الباب، لا أدري لم كانت مشاعري متوقفة تماماً، ربما لأني كنت متيقناً أنها دقاتها على الباب، أوبسب ذلك الاحساس بالفراغ المسيطر على عقلي،
"مالذي اصابك، يبدو ان مزاجك معكر؟" هكذا بادرتني السؤال وهي تشعل سيجارتها وتطلب مني ان اعد لها فنجان من القهوة،
كنت في حالة كسل وخدر ولكني توجهت إلى المطبخ لأصنع لنا فنجان من القهوة بينما اتابع حديثي معها،
"نعم، مزاجي معكر!!!! ألم تسمعي الاخبار اليوم؟" سألتها وانا أعرف ان تلك الاخبار لاتعنيها في شيء ولكني كنت بحاجة أن اتحدث عما كان يزعجني ويعكر صفو مزاجي،
"لا ما الجديد في الاخبار؟"
"لقد اغتالو سمير قصير!!!"
"من هو سمير هذا؟"
كنت سأرد عليها بأنه صحفي واستاذ للعلوم السياسية في بيروت، ولكني شعرت بأن الطريقة التي نتحدث بها يسخف ماحدث لذلك الصحفي الذي قضي نحبه بطريقة مفجعة، فتوقفت عن متابعة الحديث، وأنغمست في صنع فنجان القهوة،
ولكنها اصرت على ان اجيبها بعد ان عدت وسكبت لها ولي القهوة وجلست وراء الطاولة التي بدت اكبر مما كانت عليه من قبل!!،
"لا عليك الأن، لننهي حديثنا الخاص اولاً"، قلت كلماتي هذه ولم انتظر منها ان تجيب، بل انطلقت أعلن لها بأنها لم تستطع بزيارتها هذه ان تقنعني بما جائت من اجله، وبأنني لم اقتنع بفكرة العودة معها إلى أستراليا لأعيش هناك إلى جانبها!!! نعم إلى "جانبها" وليس معها، كانت تريد الزواج من مانوئيل وتعيد تشكيل عائلتها من اجل ابنتها الوحيدة ومن اجل مانوئيل الذي بدا وكأنه ولد من جديد،
عادت تتكلم من جديد ولكني لم اكن استطيع سماعها هذه المرة، كان يتردد في رأسي صوت الانفجار الذي قضى على سمير قصير، كانت تتحدث وانا اتخيل كيف تناثرت الشظايا من الانفجار في كل مكان حول الحادث، لم يراودني مثل هذا الشعور من قبل، فأنا لم اتعاطى في اي شأن عام منذ سنوات طويلة، لم اعد استمع للأخبار أو القضايا العامة، حتى اني لا اهتم لقضايا البيئة والحفاظ على البيئة، فما بالكم بالسياسة وقضاياها،
كنت اريد ان اخبرها اني لا استطيع تخّيل العلاقة التي ستربطني بها والقائمة على الصداقة!!!، لكن الصور التي كانت تمر في رأسي تجعلني كالمصابين بالحمى، كانت صور لأنفجارات واناس يركضون في الشوارع، شعرت بأنفاسي تضيق، هل أنا مصاب بالهذيان؟؟، لم تكن القضية قضية مقتل ذلك الشخص، لكنها قضية مقتل لصحفي كانت الكلمات هي كل سلاحه، لا ادري إلى من كان يوجه سلاحه فليست الصحافة اللبنانية شأن اهتم به، لكن فكرة قتل صحفي بحد ذاتها أشعرتني بالغثيان، الصحفيين، المدنيين والأطفال هم ضحايا الحروب،
كنت غارقا بأفكاري تلك بينما كانت تتفوه بتلك العبارات التي تصف بها ما خططت من اجله، لم استطع ان أفهمها، فطلبت منها ان تعيد ماقالته ثانية وثالثة، كانت تكرر تلك العبارات وانا اشعر بتشويش كبير، لم افهم كيف تريدني ان اذهب للعيش في استراليا من اجل ان نكون اصدقاء إلى جانب بعضنا البعض، لم استطع ان اتخيل تلك العلاقة القائمة على الصداقة، ولا أفهم كيف اكون موجود في حياتها بوجود مانوئيل، لم اكن اسعى للمزيد من التعقيدات في حياتي، فقد مررت بما يكفي من تعقيدات ومشاكل في حياتي، كنت متعبا وبحاجة للراحة،
"ألا يستحق المحارب استراحة من شر القتال" هذا كل ما استطعت ان اقوله لها، بينما نظرت إلي بشيء من الاستهجان،
"يبدو أن مزاجك معكر اليوم؟؟ ولن ينفع الحديث معك" هكذا بررت عجزها عن اقناعي بجدوى افكارها،
"نعم مزاجي معكر!!" كيف لايكون وانا جالس هنا افكر بنفسي كأنني مركز العالم، بينما هناك من يموت لأنه يعلن أن مدينته بيروت التي يعيش بها هي مركز الكون، لم أكن افهم هذا الشخص حقيقة، كيف له ان يدفع حياته ثمن لمدينة ليست مدينته اصلاً، فهو الفلسطيني من ام سورية، عاش في فرنسا ويحمل جنسيتها، ولكنه قرر الموت من اجل بيروت،
كنت انظر اليها وهي مصرة على الحديث بينما انا في عالم اخر، ارى حركة شفاهها ولكني اعجز عن فهم ماتقول، لا اعرف كيف ظهرت لي فكرة المقارنة بين ابيها وسمير قصير في تلك اللحظة، فكلاهما تخرج من جامعة السربون في باريس وكلاهما تخصص في التاريخ ولكن لسبب ما اختار ابيها ان يتخلى عن موطنه من اجل أن يحيى ، بينما يتخلى سمير عن الحياة من اجل مدينته،
كيف يختار كل منا معركته في الحياة وكيف يختار حياته؟، او كيف يختار الطريقة التي ينهي بها حياته؟، أسئلة أنفجرت يومها برأسي كما ذلك الانفجار في بيروت،
"لن اعود لأستراليا يا رنا، أرجوك توقفي عن الكلام، انا عاجز حتى عن سماعك!!!"
لن اعود إلى استراليا أو إلى اي مكان، اريد ان ابقى هنا، أريد ان ابقى لأنه خياري الذي استطيع ان اعيش معه لبقية حياتي.
.... النهاية....
Friday, January 7, 2011
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
بدأت القصة بانفجار عواطف وانتهت بانفجار صحفي
ReplyDeleteهل يمكن ان تسمي الشعور الذي كان يستولي على بطل الرواية حبا؟؟؟ اعتقد اته كان اعجابا,, فبرأي الحب لا يموت او ينتهي بهذه الطريقة.... مع انه صراحة كانت ستبدو هذهالرواية غير منطقية لو انتهت بغير طريقة... و لكن من جهة اخرى الحب لا يرضخ للمنطق
ومن جهة اخرى ما هو الحب؟شعور نحن اخترعناه لنبرر تصرفاتنا الغير منطقية
بانتظار المزيد...ـ
ReplyDeleteأنجا..
ReplyDeleteحوالت الرد على تعليقك عدة مرات ولكني لم اجد الكلمات الكافية حينها ولكني اخيرا قررت ان اكتب هذه التدوينة عن ماهية الحب
http://drlostory.blogspot.com/2011/03/blog-post.html
مرحبا! لديك موقع للاهتمام. من الجميل ان الزيارة هنا.
ReplyDelete